أنت هنا

إبطال الطلاق الشفوي للمتزوجين بالوثائق الرسمية

11/09/2016
فقه المصريين في إبطال الطلاق الشفوي للمتزوجين بالوثائق الرسمية دراسة فقهية مقارنة تأليف دكتور سعد الدين هلالي أستاذ الفقه المقارن جامعة الأزهر 1436هـ -2015 م

فقه المصريين هو فهمهم واستيعابهم لفتاوى المجتهدين المختلفة وانتقاؤهم للفتوى التي تطمئن قلوبهم وتستريح إليها نفوسهم. ولأن المصريين أصحاب حضارات تراكمية ممتدة في جذور التاريخ لآلاف السنين فقد استقلوا بالاختيار الفقهي في أمور دينهم ولم يستسلموا لأوصياء الدين الذين يفرضون أنفسهم على العامة للسطو على حقهم الديني في استفتاء القلب.

***

وقد نشرت في جريدة "أخبار اليوم" في عددها الأسبوعي لمدة عام تقريبًا (2011) تحت عنوان "فقه المصريين"، واستكملته في جريدة "اليوم السابع" أسبوعيًا لمدة عامين تقريبًا (2013-2015) بنفس العنوان الذي تناولت فيه عشرات المسائل الفقهية والقضايا الدينية التي برزت فيها الشخصية المصرية المستقلة وكان آخرها قضية "الطلاق الشفوي" التي أثارت انتباه كثير من المخلصين لأبناء وطنهم والغيورين على دينهم أن يظهروه متجددًا ومسايرًا لأدوات التطور في ظل مقاصده الشرعية الخالدة، فطالبوني بإفراد قضية الطلاق الشفوي في كتاب؛ لإنقاذ الأسر التي تفككها فتاوى أوصياء الدين المتجمدة بالفقه المتجدد الذي يحقق مقاصد الشرع في حماية الأسر بأدوات العصر، فكان هذا الكتاب من فقه المصريين في إبطال الطلاق الشفوي للمتزوجين بالوثائق الرسمية.

*****

ويؤسفني ونحن أمة "إقرأ" وجيل "لعلهم يفقهون"، "ولعلهم يتفكرون"، و"لعلكم تعقلون" أن أرى المسلمين خارج مصر وبعض أهلها حيارى في قضاياهم الدينية بين قناعاتهم المنطقية التي تساير حضارتهم وزمنهم وبين فتاوى الصائلين المتجمدة منذ عصور فاتت حضارتها وأقل ما يوصف أصحابها أنهم غائبون عن واقعهم وموهومون قيدهم على ذمة الماضيين، فلا هم معنا في زمننا فكرًا، ولا هم مع السابقين في زمنهم عرفًا، وبذلك خرجوا من التاريخ، ومع ذلك فكثير من المسلمين ينساقون وراء فتاواهم بغير قناعة أو طمأنينة قلب لمجرد إيهام هؤلاء الصائلين بالكذب بأنهم أوصياء الدين وحماته وحراس العقيدة. وأول دليل على كذبهم هو أن حماية الدين وحراسة العقيدة لا يعني إلزام الآخرين بغير قناعتهم، وإنما يعني تمكين كل مكلف من اختيار دينه وعدم محاسبته في الدنيا على عقيدته، فالحساب أو المؤاخذة تكون على التصرفات الماسة بحقوق الآدميين ولا تكون في حقوق الله بالدين الذي اختصه الله لنفسه، فكل من يزعم نذر نفسه لحماية نمط دين معين أو فرض نموذج لعقيدة معينة مفتئت على الله، ولن يغنيه زعمه هذا يوم القيامة شيئًا فسوف يحاسب كسائر الخلق، ومما يزيد عليه في حساب الآخرة تلك الوظيفة التي اختلقها افتراءًا على الله وهي الوصاية الدينية على الناس بزعم حماية الدين وحراسة العقيدة، وكان عليه أن يلتزم بحدود الشرع الآمر بتعليم علوم الدين وبيان فقهه المتعدد ليستقل كل مكلف بقناعته التي يحب أن يرى الله عليها، والذي فوض كل إنسان في الدنيا بحكم كرامته المقضية أن يحمي دينه لنفسه، وأن يحرس عقيدته في قلبه؛ كما قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم تعملون" (المائدة:105). وليتذكر هؤلاء الأوصياء ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حين أنزل قوله تعالى: "وأنذر عشيرتك الأقربين" (الشعراء:214) قال: "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا. وياصفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا".

***

لقد أرسل الله سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم بدين الحق ليظهره على الدين كله ليس بالوصاية الدينية ولو كان أهلها كبار الصحابة والتابعين وأهل الذكر؛ لأن الله تعالى لم يرض بتلك الوصاية لسيد الخلق وخاتم رسله، فقال سبحانه: "ما على الرسول إلا البلاغ" (المائدة:99) وقال سبحانه: "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر" (الغاشية:21-22) وقال سبحانه: "إن أنت إلا نذير" (فاطر:23). وإنما سيظهر الله تعالى دينه الحق عندما يتم تكريم البشر جميعًا بتمكين كل إنسان من اختيار دينه ومذهبه والارتقاء بهذا الاختيار على الوجه الذي يرتضي لقاء ربه عليه بحسب إمكاناته العقلية في ظل المعلومات المتاحة وبدون تغرير أو تدليس؛ كما قال تعالى: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة" (يوسف:108)، يعني على بينة واستنارة بكل معلومة سليمة. وما على المسلم في الآخرة إن كان قد أخطأ الاجتهاد في الدنيا؛ كما قال تعالى: "وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم" (الأحزاب:5). فالأوصياء والوسطاء بين الله وبين عباده يمتنعون كما قال تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون" (البقرة:186). وعلى أوصياء الدين الموهومين بأنهم حماة الدين وحراس العقيدة أن يدركوا أنفسهم قبل فوات الأوان ليتحولوا إلى مدرسين أوأساتذة علميين أمناء في تعليم الناس وإبلاغهم كل ما يسمى علمًا ولو كان على غير هواهم؛ لقوله تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" (النحل:44)، وقوله تعالى: "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه" (آل عمران:187)، وما أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة".

***

وكان أوصياء الدين قد ساقوا الناس بفتاواهم التي صدروها على أنها الصواب المطلق كذبًا في عصور ظلامية إبان الاحتلال العثماني الذي تزعمه المغامر التركي عثمان بن أرطغل، وعندما تمكن له الاستيلاء على أكثر البلاد العربية التي كانت في ظل الخلافة العباسية بأمير قرشي أعلن هذا العثمان الأرطغلي نفسه سلطانًا على خلافة أسماها باسمه وهي الخلافة العثمانية سنة 699هـ الموافق 1299م على أن يظل الحكم له ولذريته من بعده بالتوازي مع الخلافة العباسية التي بقيت حتى سنة 750هـ، واستمرت مصر عصية على هذا الاحتلال حتى استطاع السلطان سليم الأول أن يضمها للعثمانيين سنة 923هـ الموافق 1517م إلى أن أعلنت الخلافة العثمانية اسقاط نفسها وانهيارها رسميًا سنة 1343هـ الموافق سنة 1924م. ويحاول أذناب العثمانيين الأتراك منذ إفلاسهم السياسي سنة 1924م أن يعيدوا عصورهم الظلامية بنفس سلاحهم القديم الفاسد وهو الوصاية الدينية وإدارة شئون الناس بالفتاوى الانتقائية التي تحقق للأوصياء هدفهم من السيطرة على الناس وإعادة ملك خلافتهم الساقطة باسم الدين أو باسم الإسلام. وإذا كان هؤلاء الأوصياء وأذنابهم قد نجحوا في جولة بتغرير الناس والتدليس عليهم حتى سرقوا ملكهم قرون عديدة فقد آن الآوان لعامة الناس أن يستردوا سيادتهم على أنفسهم عملًا بما أخرجه ابن عدي في "الكامل" بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل بني آدم سيد"، وما أخرجه أحمد بسند حسن عن وابصة بن معبد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "استفت قلبك. البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك".

***

إن الدرس الأول الذي يلقنه عامة الناس أصحاب السيادة بالإسلام وأصحاب الكرامة بالقرآن لأوصياء الدين هو أمرهم برفع أيديهم عن الناس حتى يكونوا كآحادهم سواسية، أو تحميلهم مسئولية الفتن الدينية التي دونها الرقاب كما قال تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" (الأنفال:39)، وقوله تعالى: "إن الحكم إلا لله" (الأنعام:57). وما كان لله تعالى كالدين والحاكمية فإنه يكون في الدنيا لكل أحد مثل ما لصاحبه حتى لا يتفرق الناس بسببه كما قال تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" (الشورى:63). فالتعددية الدينية ستقطع السبيل أمام الفتنة الدينية؛ عملًا بقوله تعالى: "لكم دينكم ولي دين" (الكافرون:6). والتعددية الفقهية ستقطع السبيل أمام فتنة الفتاوى؛ عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "استفت نفسك استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك"، كما أخرجه أحمد من حديث وابصة. والتعددية في الأحزاب السياسية ستقطع السبيل أمام فتنة حاكمية الله؛ عملًا بقوله تعالى: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" (النساء:105)، وبما أخرجه مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي أميره فيقول: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك - أي أنت - فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا".

*****

ولعل ما قدمناه كافيًا لإرجاع ثقة عوام المسلمين في أنفسهم، واستردادهم حقهم الديني المنهوب من استقلال كل عاقل رشيد بالفتيا لنفسه إما بالاستنباط المباشر من الأدلة الشرعية إن غلب على ظنه قدرته العلمية على ذلك، وإما بالاختيار الفقهي من مجموع اجتهادات الفقهاء المتعددة بمعيار المصلحة أو بمعيار التيسير أو بمعيار الأحوط أو بأي معيار يطمئن قلب صاحبه بعد امتناع أوصياء الدين من العبث بعقول الناس، ومن ذلك قولهم العبرة بقول الجمهور. قال ابن حزم في "المحلى": "ما أمر الله تعالى قط ولا رسوله باتباع الجمهور لا في آية ولا في خبر صحيح".

***

ومن أهم الفتاوى المتجمدة التي توقف فيها عقل أوصياء الدين عند زمن ما قبل الأول من أغسطس سنة 1931م عندما صدرت لائحة ترتيب المحاكم الشرعية بالمرسوم بقانون رقم 78 والذي ينص في مادته رقم (17) على أنه: "لا تقبل عند الإنكار الدعاوى الناشئة عن عقد الزواج  في الوقائع اللاحقة على أول أغسطس سنة 1931م ما لم يكن الزواج ثابتًا بوثيقة رسمية"، هي الفتوى بوقوع الطلاق الشفوي على الزوجة الموثق عقد زواجها رسميًا في سجلات الدولة حتى تاريخ الناس اليوم، فمع أن الزوجين قد استدعيا مندوب الدولة باختيارهما، وتوجهت إرادتهما إلى توثيق العصمة رسميًا بما يجعلهما على بينة من أمرهما، وأن الزوجة في ظل هذا التوثيق لا تملك في القضاء الشرعي أمر نفسها ولا تبدأ عدة الطلاق إلا من يوم تحرير طلاقها رسميًا، كما أن الزوج لا يملك في القضاء الشرعي الزواج بخامسة وعلى ذمته رسميًا أربع نسوة حتى ولو زعم طلاقهن شفويًا، وكأن الزوج بتوثيقه لعقد زواجه رسميًا قد اشترط على نفسه أن لا يحدث طلاقًا شرعيًا إلا بالتوثيق الرسمي مما يجعل طلاقه الشفوي لغوًا؛ عملًا بما أخرجه البخاري عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج"؛ خاصة وأن تعريف الطلاق عند الفقهاء هو "حل رباط الزوجية بلفظ الطلاق ونحوه" وليس مجرد التلفظ بالطلاق. وهذا ما كانت المادة (17) من المرسوم بقانون رقم (78) لسنة 1931م تهدف إليه، ولذلك صدر فيما بعد القانون رقم 100 لسنة 1985م المعدل للقانون رقم 25 لسنة 1929م بشأن بعض أحكام الأحوال الشخصية، وأضاف المادة الخامسة مكرر والتي تنص أنه: "على المطلق أن يوثق إشهاد طلاقه لدى الموثق المختص خلال ثلاثين يومًا من إيقاع الطلاق ... وتترتب آثار الطلاق من تاريخ إيقاعه إلا إذا أخفاه الزوج عن الزوجة فلا تترتب آثاره من حيث الميراث والحقوق المالية الأخرى إلا من تاريخ علمها به".

وقد كان الناس قديمًا قبل الأول من أغسطس سنة 1931م يبرمون عقد الزواج شفويًا فكان المنطق الطبيعي أن يتم حل هذا الرباط بلفظ الطلاق الشفوي على وضع معتبر. أما بعد توثيق الناس لعقود زواجهم رسميًا فإن طلاقهم يجب أن لا يتم إلا بالتوثيق الرسمي لأنه السبيل الوحيد لحل رباط الزوجية الرسمي.

***

ومع هذا الوضوح الفقهي في عدم الاعتداد بالطلاق الشفوي للمتزوجين رسميًا إلا أن أوصياء الدين يشاغبون بتشكيك عامة الناس في عقولهم السوية وفي منطقهم السليم وفي قلوبهم المؤمنة بإيهامهم أن الطلاق الشفوي كان هو المعوّل عليه في حل رباط الزوجية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، متجاهلين أن الزواج كان كذلك شفويًا. أما وقد اختار الإنسان الانتفاع بحضارة عصره من توثيق الزواج الذي يضبط العلائق في المجتمع ويضمن حقوق الأطراف ذات العلاقة عملًا بقوله تعالى: "إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه" (البقرة:282)، فكان المنطق الطبيعي أن يتبع الطلاق نظام الزواج، فالزواج الشفوي يكون الطلاق فيه شفويًا، والزواج الرسمي يكون الطلاق فيه رسميًا.

***

وعندما اصطلى أوصياء الدين وأقاربهم بنار فتواهم المتجمدة منذ زمن ما قبل الأول من أغسطس سنة 1931م والتي تقضي باحتساب الطلاق الشفوي شرعًا للمتزوجين رسميًا اضطروا إلى الركوع أمام التعددية الفقهية وانتقاء الفتاوى التي تهدر الطلاق الشفوي من كل مذهب ولو انفرد بها فقيه واحد مثل الحكم بعدم احتساب الطلاق الشفوي الصريح إذا وقع بصفة البدعة كالطلاق في قترة حيض الزوجة أو في طهرها الذي مسها زوجها فيه؛ عملًا  بمذهب الظاهرية واختيار ابن تيمية وابن القيم، ومثل احتساب الطلاق المعلق يمينًا عند احتماله يوجب كفارة اليمين بالحنث فيه (إطعام عشرة مساكين أو كسوتهن أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) ولا يرتب طلاقًا، وهو قول انفرد به ابن تيمية، وغير ذلك من فتاوى كانوا يحكمون عليها من قبل بالشذوذ والضعف خضعوا إليها مؤخرًا بدون استحياء بدعوى إنقاذ الأسرة من التفكك بسبب كثرة ألفاظ الطلاق حتى يجدوا المبرر لفتواهم المتجمدة باحتساب الطلاق الشفوي للمتزوجين رسميًا، وفي إمكانهم أن يعودوا إلى زمنهم الذي هجروه وحضارتهم التي لم يجددوا دينهم فيها ليعلنوا طمأنة المسلمين الذين اختاروا نظام التوثيق لزواجهم أنه لا طلاق لهم إلا بمثل نظام الزواج من التوثيق إذا أرادوا التوبة من جناية الوصاية الدينية.

*****

وكان الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الجامع الأزهر (ت1996) قد تقدم بمذكرة علمية إلى مجمع البحوث الإسلامية آملًا صدور قراره بعدم احتساب الطلاق الشفوي للمتزوجين رسميًا إلا أن صوت الأوصياء كان هو الأقوى، كما نبين ذلك في موضعه من هذا الكتاب الذي نقدمه حسبة لله تعالى في بيان إبطال الطلاق الشفوي للمتزوجين بالوثائق الرسمية، كمساهمة فقهية في حفظ كرامة الإنسان وحرمة أسراره وصون أسرته، فكم من تتابعات مهينة تقع بسبب الفتوى المتجمدة بوقوع الطلاق الشفوي للمتزوجين رسميًا أدناها إفشاء تاريخ العلاقة الزوجية السابقة للطلاق الشفوي للوصي الديني حتى يتفضل على الزوجين بإفتائهما بمذهب الظاهرية ومن وافقهم بعدم وقوع الطلاق البدعي، وأعلاها الفتوى بالمحلل والذي قد يتطوع الوصي الديني بترشيحه إذا كانت الطلقة ثالثة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبالطبع تكون فتوى هذا الوصي الديني بما عليه جمهور الفقهاء من وجوب دخول المحلل استدلالًا بما أخرجه الشيخان عن عائشة أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". وإن كان من حق صاحب الشأن أن يتبع اجتهاد سعيد بن المسيب (13-94هـ) التابعي القرشي وأحد فقهاء المدينة السبعة والذي يرى جواز أن ترجع المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول بعقد جديد إذا عقد عليها آخر وطلقها قبل الدخول؛ لعموم قوله تعالى: "حتى تنكح زوجًا غيره" (البقرة:230). قال: "والنكاح ينطلق على العقد"، كما حكاه ابن رشد (ت595هـ) في "بداية المجتهد".

ثانيًا: خطة الكتاب

 قسمت هذا الكتاب إلى أربعة فصول كما يلي:

الفصل الأول: تعريف الطلاق الشفوي وتأصيله التاريخي. وفيه مبحثان

المبحث الأول: تعريف الطلاق الشفوي

المبحث الثاني: التأصيل التاريخي لقضية الطلاق الشفوي

الفصل الثاني: التعريف بالطلاق وبيان أحكامه العامة. وفيه ثلاثة مباحث

المبحث الأول: ماهية الطلاق وأثره الشرعي بالعدة

المبحث الثاني: أداة الطلاق أو صورته في الخارج (صيغته)

المبحث الثالث: مقصود الطلاق والحكمة من مشروعيته

الفصل الثالث: أصول وقوع الطلاق. وفيه عشرة مباحث

المبحث الأول: الطلاق بغير صيغة التنجيز (المضاف والمعلق)

المبحث الثاني: الطلاق بغير نيته

المبحث الثالث: الطلاق بالتوكيل أو بالتفويض

المبحث الرابع: طلاق الفضولي

المبحث الخامس: الطلاق بغير الإشهاد

المبحث السادس: طلاق الغضبان

المبحث السابع: طلاق المكره

المبحث الثامن: طلاق السكران

المبحث التاسع: الطلاق بلفظ الثلاث

المبحث العاشر: الطلاق البدعي

الفصل الرابع: مدى مشروعية إضافة شرط التوثيق الرسمي لصحة الطلاق واختيار المصريين لحكم الطلاق الشفوي، والمقترح إلى المشرع المصري

وإنني امتثل قول الله تعالى: "إن أريد إلا الإصلاح إن استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" (هود:88).

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

27-7 2015م                                                             دكتور سعد الدين هلالي

أستاذ الفقه المقارن - جامعة الأزهر