أنت هنا

الشيخ خالد الجندي المِنَحُ الربَّانِيةُ للشَخْصِيَّةِ المُحمَّديَّة في الرَّدِ على الرُّصافي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                المِنَح الربَّانية

للشَّخصِيَّة المُحَمَّدِيَّة

 

الشيخ خالد الجندي

 

 

 

المِنَحُ الربَّانِيةُ

للشَخْصِيَّةِ المُحمَّديَّة

 

 

 

في الرَّدِ على الرُّصافي

 

 

 

﴿ يَاقومِ لا أسئلكُم عَليه أجرًا ﴾

يـوزع إبتغاء مرضات الله تعالى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

 

 

 

الطبعة الأولى

1437هـ - 2016 م

 

 

 

 

 

إصدار دار المعـرفة للطباعة والنشر – لبنان

www.marefah.com

 

 

فهرس الكتاب

الموضوع

الصفحة

المقدمة

 

التمهيد: مؤلف الكتاب معروف الرصافي

 

البيئة التي نشأ فيها معروف الرصافي

 

البيئة السياسية

 

البيئة الأدبية

 

مؤلفات الرصافي وآثاره

 

نقد الكتاب

 

  • المبحث الأول: التأصيل الإسلامي للتاريخ

 

المنهج الإسلامي في تاريخ السيرة النبوية

 

عوامل اهتمام رجال الفكر الإسلامي بدراسة المستشرقين في السيرة

 

مصادر السيرة النبوية

 

السنة النبوية مصدر السيرة

 

مؤرخو السيرة

 

سمات المنهج الاستشراقي في السيرة النبوية

 

  • المبحث الثاني: التشكيك في القرآن الكريم

 

هل القرآن مُنزَّل من السماء؟

 

جمع القرآن في العهد النبوي وحفظه في الصدور

 

حفظ النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم

 

حفظ الصحابة للقرآن

 

كتابة القرآن الكريم

جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه

 

جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه

 

منهج جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ومزاياه

 

حرق المصاحف المخالفة

 

الكلام المفكك

 

القرآن واللوح المحفوظ

 

هل القرآن معجز؟

 

ترتيب سور القرآن وآياته

 

فواتح السور

 

المحكم والمتشابه في القرآن

 

تعدد القراءات واختلافها في القرآن

 

القصص في القرآن

 

قصة خلق آدم

 

قصة موسى والخضر عليهما السلام

 

قصة الإسكندر ذي القرنين

 

  • المبحث الثالث: التشكيك في السنة النبوية

 

جوهر كتاب "الشخصية المحمدية" وغايته

 

آراء المدرسة الاستشراقية في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم

 

أهمية رسالات الله في الحياة البشرية

 

محمد الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم

 

الرَّدُّ على شبهات الوحي التي أثارها معروف الرصافي

 

هل لمحمد معجزات؟

 

أولًا: معجزات الماء

 

ثانيًا: معجزات الطعام

 

ثالثًا: حنين الجزع

 

رابعًا: معجزات تتعلق بالحيوانات

 

قصة البعير

 

الغنم وسجودها للرسول

 

قصة الذئب وشهادته بالرسالة

 

حديث الغزالة

 

حديث الضب

 

خامسًا: الإخبار عما هو كائن

 

صحيفة المقاطعة

 

وقوع الفتنة بين المسلمين

 

فتح الأرض للمؤمنين

 

طاعون عَمواس

 

سادسًا: الإخبار عن وفاة بعض الأشخاص

 

وفاة فاطمة بنت رسول الله

 

وفاة زينت بنت جحش

 

وفاة أم ورقة بنت نوفل

 

وفاة عثمان بن عفان رضي الله عنه

 

وفاة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه

 

مقتل علي بن أبي طالب

 

عملية شق الصدر، والرَّد على شبهات "معروف الرصافي

 

خاتم النبوة، والرَّد على "معروف الرصافي"

 

  • المبحث الرابع: الرسول خاتم الأنبياء

 

شمائله الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم

 

أزواجه صلى الله عليه وسلم

 

نزول آية الحجاب

 

  • المبحث الخامس: العقائد والعبادات في الإسلام

 

مسألة الخمر

 

الصيام

 

الصلاة

 

نكاح المتعة

 

الأشهر الحرم

 

الطلاق

 

تحويل القبلة

 

  • المبحث السادس: قضايا تاريخية أثارها المؤلف

 

نقد التاريخ

 

أسفاره قبل النبوة

 

الدعوة لغير المسلمين

 

خروجه إلى الطائف

 

بيعة العقبة الأولى والثانية

 

الهجرة إلى المدينة المنورة

 

المؤامرة في دار الندوة

 

بناء المسجد

 

استخدام الجاسوسية

 

جواسيسه السرية الخاصة

 

الجواسيس العلنية العامة

 

المصادر والمراجع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

أحمد الله حمد الشاكرين، وأصلي على المبعوث رحمة للعالمين، سيد الخلق أجمعين، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

وبعد،،،

فهذا بحث حاولت فيه جاهدًا أن أردَّ على مزاعم بعض الجاحدين الذين حاولوا الإساءة إلى رسول الله بقصد أو بدون.

وقد احترت كثيرًا في الرَّد على هؤلاء الأقزام؛ لأننا لو وقفنا لنرد عليهم لجعلنا لهم وزنًا وقيمة في التاريخ، ولو تركناهم كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث؛ ظنوا أنَّه لا قدرة لأحدٍ من المسلمين على الوقوف والثبوت أمام نقدهم وهجائهم، وجلبوا علينا الكثير مِن الأقزام.

وفي النهاية كان الانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الغالب على التفكير؛ وذلك بالرغم من أنَّ قامة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى وأعظم من أي ردٍّ أو فخرٍ؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى قد قال في كتابه العزيز: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.

ومِن هذه الكتب والمؤلفات التي تناولت رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يليق بشخصه الكريم كتاب "الشخصية المحمدية" أو "حل اللغز المقدس" للشاعر العراقي معروف الرصافي المولود ببغداد سنة 1875م، والمتوفّى بها في اليوم السادس من الشهر الثالث من سنة 1945م، وهو مِن الكُتَّاب الذين درسوا وكتبوا واشتغلوا بالسياسة، وقضى ردحًا مِن عمره في التدريس، وتنقَّل في كثير مِن البلاد حتى استقر به المقام في بلده.

وذكر كل مَنْ ترجم أو كتب عن معروف الرصافي أنَّه ترك ثروة من الكتب بلغت عشرين كتابًا، طُبع بعضها، وما يزال بعضها محفوظًا، وما يشغلنا مِن هذه الكتب كتاب "الشخصية المحمدية" الذي نشر بدار الجمل بألمانيا سنة 2002م.

ولقد حاول بعض الكُتَّاب رفض فكرة نسبة الكتاب إلى معروف الرصافي وأخذوا يقدمون كثيرًا من الشكوك حول هذا الافتراض؛ ومن ذلك أنَّ الطبعة التي طبع بها الكتاب تخلو خلوًا تامًا من اسم محقّق الكتاب، أو شخص ما قد اعتنى بها، فمَن الذي قرأ المخطوطة وقدَّم لها القراءة السليمة كما ارتضاها الرصافي؟ كما أنَّه لا يعقل أن يكون الرصافي قد خطّط لهذا الكتاب، وجمع مادته، وكتبه، وانتهى منه في عام واحد هو سنة 1933م، وهذا لا يجوز عقلًا وواقعًا في كتاب كبير بهذا الحجم.

كما يحفل الكتاب بهوامش توثّق النصوص الواردة في المتن، ولا ندري إن كانت هذه الهوامش في أصل المخطوط، أم وضعها مَنْ قام بالطبع، ونُرجِّح الثانية بدليل ما سيأتي. كما وضع مَنْ قام بطبع الكتاب قائمة بالمصادر والمراجع في آخر الكتاب، ومِن المؤكد أنّها مِن عنده وليست في الأصل بدليل ورود كثير مِن هذه المصادر والمراجع بطبعات صدرت بعد وفاة الرصافي بزمن طويل، ومِن الملاحظ أنَّ الناشر يتعمّد إغفال سنوات الطبع، وهو أمر ملزم للباحثين والمحقّقين وهم يضعون مثل هذه القوائم، وندَّ عن هذا الإغفال واحد مِن المصادر وهو كشَّاف الزمخشري الذي تشير القائمة إلى أنَّه طبع سنة 1966م، وكتاب إعجاز القرآن للباقلاني الذي طُبع للمرة الأولى سنة 1954م، وتاريخ الخلفاء للسيوطي بتحقيق رحاب عكاوي الذي طُبع سنة 1992م، وهي الطبعة التي رجع إليها الناشر، فهل يعقل أن يكون الرصافي قد قرأها بعد وفاته.

وأيًّا ما كان الأمر؛ فإنَّ صاحب كتاب "الشخصية المحمدية" قام باستقاء معلوماته وتفسيراته مِن الأحاديث الضعيفة والروايات الأسطورية التي يفسرها تفسيرًا يتبع فيه هواه وغرضه الدنيء وهو خلع القدسية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعامل معه على أنَّه شخصية عادية تتمتع بذكاء اجتماعي كبير جعله يقود العالم بذكائه وقوة بصيرته.

كما أنَّ التحليل والتأويل الذي أجهد المؤلف نفسه فيه هو كاللاهث خلف السراب، وينال التعب دون نيل المُنى .. كان الكتاب، الذي يتظاهر بغزارة في المعلومات التي استقاها من الأخبار الضعيفة والروايات التي لا يوثق بصحتها، يحوي الكثير مِن الأخطاء في النحو والصرف، وهذا لا يدخل في باب الأخطاء الطباعية.

وهذا الكتاب يندرج ضمن الحملة التي يشنها الغرب ضد الإسلام والمسلمين، وسوف نقدم لاحقًا بعض هذه المحاولات التشويهية التي تنطلق من أكثر العواصم الغربية مثل باريس وروما ولندن وواشنطن وبون وغيرها من العواصم.

واختيار معروف الرصافي مكان التأليف هو "الفلوجة" ما كان إلا طفرة مِن الحقد الذي يكنه الغرب للإسلام والمسلمين. فالكتاب تشويه للسيرة النبوية واعتداء على شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، واختيار "الفلوجة" هو تشويه لأرض الصمود والبطولات التي أظهرها أهل الفلوجة الأشاوس في مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق الشقيق.

وقد اعتمد الرصافي ما يمكن تسميته نقد السيرة المقارن؛ لأنَّه اعتمد على دمجه السِّيَّر بعضها ببعض، ومقارنتها للوصول إلى المعنى التاريخي، العقلي للخطاب، وليس اليقيني المنقول. ولهذا نرى تركيزًا منه على "السيرة الحلبية" لعلي بن برهان الدين، و"السيرة النبوية" لابن هشام، وبعض السير الحديثة ككتاب "حياة محمد" لمحمد حسين هيكل، و"السيرة النبوية والآثار المحمدية" لأحمد زيني دحلان. وقراءة السيرة المقارنة تلك، ونقدها، تمت على ضوء التفاسير الإسلامية الشهيرة مثل "الكشاف" للزمخشري، وتفسير القرطبي وابن كثير والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والسيوطي، وعلى بعض أهم كتب التأريخ الإسلامي، كتاريخ الطبري والمسعودي واليعقوبي والسيوطي. هذا يعني أنَّ السيرة خضعت لأكثر مِن مقارنة وفحص، وأنَّ إمكان الموضوعية يتوضّح في سياق الكتاب.

ويأتي الكتاب في مقدمة وتمهيد وعدة مباحث رئيسة:

أما التمهيد ففيه الحديث عن أيديولوجية المؤلف "ثقافته ومعتقداته"، وكتاب "الشخصية المحمدية "دراسة نقدية. وهذا القسم يشمل العناصر الآتية:

أ- الأوضاع السياسية والثقافية التي نشأ فيها المؤلف وأثرها عليه:

الخلافة العثمانية تحتضر وتحاربها حركة تتريك "الطورانية"، والاستعمار السياسي والعسكري للعالم الإسلامي – الاستبداد السياسي لحكم الدول الإسلامية المتحالفون مع الاستعمار- إثارة النعرات القومية - الغزو الثقافي "الدراسات الاستشراقية".

ب- المؤلف: مؤهلاته العلمية والثقافية، وآثاره العلمية والأدبية "مؤلفاته النثرية والشعرية –الدواوين الشعرية" –.

ج- الكتاب: يحدد الغايات الرئيسة التي سعى المؤلف إلى إثباتها مع التدليل على ذلك بما ذكره المؤلف صراحة دون مواربة أو كناية، وذلك بالإحالة إلى رقم الصفحة وعرض العبارات التي ذكرها بين قوسين وذلك من خلال دراسة مسحية شاملة للكتاب من مقدمة الكتاب إلى خاتمته؛ وذلك لأنَّ عباراته المسمومة تلك كررها كثيرًا في ثنايا الكتاب كله، مع الإشارة إلى رقم الصفحة لتأكيد ما نقول في كل مرة حتى يظهر الهدف الرئيس للمؤلف الذي حرص عليه بشكل موثق إحصائي كمن له دلالاته ومغزاه، ثم يتم التعقيب بأنَّ تلك الغايات هي ذاتها التي تم الإشارة إليها في النقطة "ب" وأعني بها غايات المدرسة الاستشراقية التي تم ذكرها في النقطة "ب" حيث يتم الإحالة إلى ما سبق ذكره دون تكراره.

ثم يأتي المحور الثاني في نقد الكتاب، وهو دراسة نقدية لمصادره التي اعتمد عليها في عرض السيرة النبوية حيث اعتمد بشكل يصل إلى (90%) على كتاب "السيرة الحلبية" لبرهان الدين الحلبي المتوفي سنة (841 هـ)، وهذا الكتاب ملئ بالحشو والقصص الإسرائيلي، ثم على "سيرة ابن هشام" بشكل أقل، ثم على تفسير الزمخشري "الكشاف"، وهذا التفسير لشخص معتزلي، وهو تفسير عليه انتقادات كثيرة، ولقد لجأ المؤلف إليه دون كتب التفسير الأخرى، وذلك مِن خلال عرض السيرة النبوية في الشقِّ الخاص بأحداث السيرة النبوية التي نزل فيها آيات قرآنية، واختيار كلام يقدح في الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كلام شاذ أبطله جمهور المفسرين، والغرض مِن ذلك كله إثبات أنَّ المؤلف اعتمد على مصادر غير أصيلة وغير صحيحة بشكل تام في السيرة النبوية وإغفاله لمصادر عديدة موثقة في هذا الشأن.

والمنهج الإسلامي الصحيح للسيرة النبوية والمضاد للمدرسة الاستشراقية "الخصائص والمميزات". ويعرض لأمرين:

الأمر الأول: ملامح التصور الإسلامي للتفسير التاريخي وبخاصة السيرة النبوية، ثم عصر الخلفاء الراشدين "عصر صدر الإسلام"، وهو يرتكز على محورين:

أولهما: أنَّ التفسير الإسلامي لتاريخ السيرة النبوية يقوم على الإيمان بالسيرة النبوية بالله وكتبه ورسله وباليوم الآخر، فهو ليس تفسيرًا ماديًا كما في الفكر الماركسي والفلسفات الغريبة بشتى أنواعها.

وثانيهما: إبراز ملامح منهج المحدثين الذي يعتمد على سلاسل السند التي تتقدم الرواية التاريخية فيقوم بنقدها وتمحيصها وفق قواعد علمية دقيقة تثير الإعجاب، وتبعث الفخر في نفوس المسلمين المعاصرين للسيرة النبوية لدى المنهجية العلمية التي وصل إليها العلماء المسلمون الأوائل، ولقد أثمر هذا المنهج وجود مصادر إسلامية صحيحة بشكل كبير للسيرة النبوية في مختلف دقائقها، وهي ما سيعرض لها في الأمر الثاني مِن هذا القسم.

هذا فضلًا عن منهج نقد المتن للسيرة النبوية بجانب منهج المحدثين والذي امتاز به ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية"، وابن حزم في كتابه "جوامع السيرة"، وابن حجر في "فتح الباري".

أما الأمر الثاني: فيتمثل في عرض لأهم مصادر السيرة النبوية وفقًا للمنهج السابق ذكره، وهي تتمثل بشكل رئيس في صحيحي البخاري ومسلم، واللذين عرفا بأنَّ كل ما فيهما صحيح بعد الدراسات النقدية التي قام بها حفاظ كبار قدامى ودارسون معاصرون، كذلك موطأ الإمام مالك، ثم ما ورد في السنن الأربعة: "الترمذي، أبو داود، النسائي، ابن ماجه" فهذه الكتب لقيت سبرًا وتمحيصًا أيضًا رغم أنَّها لا ترقى إلى درجة الصحيحين.

فضلًا على كتب الحديث التي أُلِّفت بعنوان "دلائل النبوة" والتي تتكلم عن علامات النبوة وآياتها ودلائلها وهي كثيرة ومطبوعة، مثل:

    - "دلائل النبوة" للماوردي.

    - و"دلائل النبوة" للبيهقي.

    - و"الخصائص الكبرى" للسيوطي.

فضلًا على كتب الشمائل التي تتناول أخلاق وآداب النبي صلى الله عليه وسلم، وألفها علماء محدثون كبار مثل:

    - الترمذي في "الشمائل النبوية".

    - والقاضي عياض في "الشفاء بتعريف حقوق المصطفى".

    - وابن كثير في "شمائل الرسول".

فضلًا على مصادر تاريخية ذات قيمة في هذا الميدان مثل:

    - "الطبقات الكبرى" لابن سعد.

    - و"جوامع السيرة" لابن حزم.

    - و"الدرر في اختصار المغازي والسير" لابن عبد البر.

    - و"زاد المعاد" لابن قيم الجوزية.

فضلًا على كتب التي تناولت أسباب النزول، منها:

    - صحيح البخاري.

    - ومستدرك الحاكم.

    - ومسند الإمام أحمد.

    - وأسباب النزول للواحدي.

    - ولباب النقول للسيوطي.

فضلًا على مؤلفات كبرى لعلماء معاصرين ذوي عقول ناقدة، لها تحليلاتها العميقة للسيرة النبوية كمؤلفات:

    - الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي "فقه السيرة النبوية".

    - وصفي الرحمن المباركفوري "الرحيق المختوم".

    - والدكتور حسين مؤنس "دراسات في السيرة".

    - والدكتورة عائشة عبد الرحمن "نساء النبي".

    - والدكتور عبد الرحمن سالم "المسلمون والروم في عصر النبوة".

    - والندوي "السيرة النبوية".

    - والدكتور حسن علي حسن "السيرة النبوية".

    - وعبد الحميد جودة السحار "أضواء على السيرة النبوية، ومقارنة بين الأديان، والله أكبر، من السيرة النبوية".

    - وسعيد حوى "الأساس في السنة وفقهها".

    - ومحمد صادق عرجون "السيرة النبوية".

    - والشيخ محمد أبو شهبة "السيرة النبوية".

    - والدكتور الطيب النجار "القول المبين في سيرة سيد المرسلين".

    - والشيخ محمد الغزالي "فقه السيرة".

    - وعباس محمود العقاد "عبقرية محمد".

    - ومحمد حسين هيكل "حياة محمد".

أما مباحث الكتاب فتدور حول دحض الشبهات التي أثارها كتاب "الشخصية المحمدية"، وهذه المباحث هي صلب الكتاب وعصبه، ومِن خلالها سيتم الرَّد على كل الشبهات والمطاعن التي حاول المؤلف الوصول إليها.

والله مِن وراء القصد وهو يهدي السبيل،،،

                                             الفقير إلى الله تعالى

                                                 خالد الجندي

 

التمهيد

مؤلف الكتاب

معروف الرصافي (1875 – 1945م)

شاعر عراقي معاصر، شغلت أشعاره وأفكاره الكثيرين، وأثارت ضده الكثيرين ما بين ناقد ورافض ما قال، حتى بعد وفاته لم يتوقف الجدل حوله خاصة بعد إصدار كتاب "الشخصية المحمدية" وذلك بعد عدة عقود على وفاته، كما أنَّ اشتغاله وانشغاله بالسياسة واشتباك شعره مع السياسة ربما حقق له بعض الشهرة، لكنه فرض عليه ضريبة السياسية في عالمنا العربي من اعتقال، وتضييق في مجال العمل، وتجاهل .. لكن تبقى أفكار الرجل قبل أشعاره هي الأكثر إثارة للجدل والرفض خاصة كتابه "الشخصية المحمدية" الذي جعل محوره نزع القداسة عن شخصية النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، والنظر إليه مجردًا مِن النبوة التي اختصه الله تعالى بها.

ولا شك أنَّ ما عمد إليه معروف الرصافي في كتابه هذا الذي أبى أن يصدر في حياته، وكما يردد البعض أوصى أن يصدر بعد أن يموت بعقود، لما فيه من تجاوزات لا يقبلها العقل المسلم والمؤمن؛ لأنها تتضمن هدمًا صريحًا لأحد أركان الإيمان الكبرى وهو الإيمان بالنبوة .. إلا أنَّ منطق الإيمان يفرض على العقل المؤمن المسلم أن يتعامل بالإنصاف والعدل مع ما يرى ويقرأ ويسمع، ومن هنا فشخصية مثل معروف الرصافي يجب النظر إليه كشاعر في ميدانه، وأن نُحكمه في ذلك إلى الذائقة الأدبية والشعرية، وأن نزنه بميزان الفن الذي تكلم فيه، ونعرف أغراضه.

ومعروف الرصافي مِن الشعراء المعاصرين، والذي انشغل جزء كبير مِن إنتاجه الشعري بالسياسة، وصور شعره كثيرًا مِن مواقفه السياسية، بل خاض شعره معه الكثير مِن المعارك التي خاضها في عالم السياسية.

واسمه هو "معروف بن عبد الغني البغدادي الرصافي" وهو مولود لأب كردي ينتمي لعشيرة الجبارة في كركوك، والتي يُقال: إنَّها علوية النسب، أما أمه فهي تركمانية مِن عشائر القراغول، والتي ترجع أصولها إلى قبيلة الشاة السوداء التركمانية التي حكمت العراق وقسمًا مِن إيران زمنًا ما قبل العثمانين.

ولد معروف الرصافي في بغداد سنة (1875م) في حي مِن أحيائها الفقيرة يسمى "حي القراغول" وكان أبواه فقيرين، فقد كان أبوه كثير السفر والترحال بحكم عمله كجندي في نظام الدرك، وكان هؤلاء يتولون حماية الأمن خارج المدن، ومن ثَمَّ كانت نشأته فيها بعضًا مِن فقدان عاطفة الأبوة، أما أمه "فاطمة" فكانت كثيرة العطف عليه.

بدأت حياة معروف العلمية بالكُتَّاب على غرار أبناء عصره، حيث كانت الكتاتيب أو مكاتب تحفيظ القرآن الكريم تقوم بتحفيظ الصغار القرآن إلى جانب مِن مبادئ القراءة والكتابة، وقد أتاح له هذا القدر اليسير مِن التعليم الالتحاق بمدرسة الرشدية العسكرية –التي كان قد أسسها مدحت باشا الذي تولى إدارة ولاية العراق عام 1896م- لكنه لم يستطع أن يستمر في تلك المدرسة لأمرين؛ لأنَّ دراستها كانت باللغة التركية، وكان لا يتقنها، وللتنافر بين طبعه الأدبي وبين صرامة الجندية وقسوتها.

ترك معروف الدراسة العسكرية واتجه إلى الدراسة في المدارس الدينية التي تناسب ميوله العلمية والأدبية، نظرًا لعدم وجود المدارس المدنية الرسمية في ذلك الوقت، فاتجه إلى علَّامة عصره في ذلك الوقت الشيخ "محمود شكري الألوسي" ولازمه (12) عامًا، فتلقى على يده علوم الدِّين والفقه واللغة والمنطق، والألوسي هو مَن لقبه بـ"الرصافي" رجاء أن يخلف معروفًا الكرخي في صوفيته وزهده.

تأثر معروف بشيخه الألوسي تأثرًا كبيرًا، خاصة رؤى الألوسي الإصلاحية، وأسلوبه الأدبي في التعبير عن أفكاره في أسلوب أدبي ولغوي قوي وجذاب، وتأثر ببعض جوانب شخصية الألوسي حيث كان أستاذه يحثه على الجرأة والإقدام والاعتماد على نفسه، كما أنَّ الألوسي رأى بعض أمارات النباهة في تلميذه معروف ولذا فأخذ في تقديمه في بعض المناسبات الدينية والسياسية، وعندما توفى الألوسي رثاه الرصافي بقصيدة مُبكية مما جاء فيها:

لأشكرنك يا شكري مدى عمري
وأنا المقصر عم نعماك أشكرها

 

 

وأبكينك أبكارًا وآصالا
ولو ملأت عليها الدهر أعوالا

 

 

وربما كان جزءًا مِن عداء الرصافي للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني يرجع في بعض أجزائه إلى قيام السلطان بنفي وإبعاد الشيخ الألوسي مِن بغداد ونفيه إلى الأناضول بعد وشاية بأنَّ الألوسي ينشر المذهب الوهابي في العراق.

لا شكَّ أنَّ نشأة معروف القاسية والفقيرة لن تسمح له بأن يعيش حياة بها شيء مِن الترف أو حتى يتفرغ لتدعيم موهبته الأدبية؛ ولذا عندما اشتد عوده أخذ في البحث عن عمل يقتات منه، استطاع أن يجد عملًا بعد صعوبة كبيرة، فاستطاع أن يعمل مُعلمًا بإحدى المدارس الأولية، وظلَّ يتدرج في وظائف التدريس حتى استطاع أن يصل إلى مدرس للغة العربية في المدرسة الإعدادية الرسمية في بغداد، وظل يقوم بالتدريس حتى إعلان الدستور العثماني سنة (1908م)، وفي هذه الأثناء نشر أشعاره في عدد مِن صحف العراق ومنها المقتبس والمؤيد.

كانت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فترة ظهور بعض النزعات القومية في عدد مِن دول العالم، وربما كانت هذه المشاعر القومية التي اتسم بعضها بالتطرف سببًا في إشعال بعض الحروب في عدد مِن دول العالم آنذاك، ولم تكن الإمبراطورية العثمانية بعيدة عن نمو تلك المشاعر، فقد ظهرت النزعة الطورنية عند بعض مِن الترك وهي التي جعلت كثيرًا من القوميات تنمو كنوع مِن ردِّ الفعل، وهو ما أتاح للقوى الاستعمارية أن تلعب على وتر الانقسام التركي- العربي.

ففي هذه الأثناء ظهرت بعض الصحف التي تنتقد العرب وتصفهم بما لا يليق، وكان مِن بين هذه الصحف صحيفة "أقدام" التركية التي كان يصدرها "أحمد جودت" والتي كانت توصف بأنَّها مِن أشد الصحف تعنتًا ضد العرب وكراهية لهم، وهو ما أثار العرب وجعل بعض أعضائهم في مجلس "المبعوثان" العثماني الذي كان يضم نوابًا مِن مختلف أرجاء الدولة العثمانية على الاعتراض لدى الباب العالي، فما كان مِن السلطات العثمانية إلا أن قامت بتعطيل هذه الجريدة إرضاء للعرب.

أما "أحمد جودت" فإنَّه سعى لإرضاء العرب ولكن بطريقة شكلية دون أن يُغير موقفه منهم؛ ولذا أصدر جريدة جديدة يخطب فيها ود العرب، وأرسل إلى معروف الرصافي طالبًا أن يساعده ويساهم معه في إصدار جريدة تضيق الهوة بين العرب والأتراك، فاستجاب له معروف، وسافر إلى القسطنطينية، لكن ما لبث أن اكتشف أنَّ موقف "أحمد جودت" ما زال على تعنته تجاه العرب، فأبى أن يعمل معه، وترك القسطنطينية، وفي تلك الزيارة ازداد احتكاكه بالأتراك واستطاع أن يعرف عن قرب بعضًا مما يدور في الكواليس داخل الدولة العلية العثمانية، ويبدو أنَّ الإنسان لا يكتشف ذاته إلا مِن خلال الآخرين؛ فكانت بذور الانتماء القومي تتفتح لديه مع رؤيته لتعصب القوميات الأخرى لقوميتهم.

وفي أثناء عودته إلى بغداد باع مجموعة أشعاره لصاحب المكتبة الأهلية (محمد جمال) والتي صدرت فيما بعد باسم (ديوان الرصافي)، وعاد معروف الرصافي إلى بغداد مرة أخرى، لكنه لم يلبث أن غادرها بعد وقت قصير، حيث ذهب إلى الأستانة لكي يعمل بالكتابة في مجلة "سبل الرشاد" العربية التي كانت يصدرها "عبد الله مبعوث آيدان" إلى جانب عمله بالتدريس في المدرسة الملكية العالية.

كانت الدولة العثمانية في ذلك الوقت تشهد نهايات السلطان "عبد الحميد الثاني" الذي حكم الدولة أكثر من ثلاثين عامًا، لعب خلالها على التوازنات الدولية لتوفير عمرًا إضافيًا للدولة التي كانت على وشك الانهيار، والتي كان توصف بأنَّها رجل أوروبا المريض.

في تلك الفترة لم تكن السياسة وحدها هي التي تعاني من اضطراب داخل الدولة العثمانية بفعل الدسائس والتآمر الداخلي والخارجي، ولكن كانت الأفكار تعاني أيضًا مِن اضطراب، وكانت تطرح تساؤلات حول مستقبل الخلافة العثمانية المترامية الأطراف والتي تتمدد على أراضي ثلاث قارات، وتحوي بين أطرافها عشرات الشعوب والقوميات، وكان السؤال المُلِح وقتها: ما هي الرابطة التي ستجمع كل هؤلاء إذا انهارت الرابطة العثمانية التي تستمد شرعيتها من وحدة المسلمين تحت راية واحدة؟ كما ثارت تساؤلات حول الأسس التي سترتكز عليها الدولة الجديدة إذا انهارت الرابطة الإسلامية، وما هو الحال إذا انهارت تلك الرابطة الإسلامية بين تلك الشعوب التي تنتظم في إطار الدولة العثمانية؟ وما هو مصير العرب على وجه التحديد إذا قدر لهم مواجهة هذا المصير؟

كانت الأستانة ساحرة بالنسبة لمعروف الرصافي؛ نظرًا لجمالها الطبيعي، وروعة معمارها، وملامح التحضر التي تعيشها، ناهيك عن الأفكار والحياة المتحركة التي كانت تدب في أوصالها مقارنة بغيرها مِن الحواضر الإسلامية، ومن ثم تعانقت روحه وأفكاره مع المدينة واستطاب له العيش بها، حتى أنَّه تزوج بسيدة تركية، وكأن الحياة أتته بما يريد ويشتهي.

وعمل معروف في ذلك الوقت كصحفي وكاتب في جريدة "سبل الرشاد"، وكمدرس للغة العربية في المدرسة الملكية، كما قام بتدريس الخطابة في مدرسة الواعظين التي أسستها وزارة الأوقاف، ولم يمض وقت طويل حتى انتخب عضوًا في مجلس المبعوثان وذلك عام (1912م).

وكان معروف الرصافي في ذلك الوقت لا ينتمي إلى أي حزب أو جمعية والتي انتشرت بكثرة في تلك الفترة ما بين سرية وعلنية، لكنه في ذات الوقت كان يتمتع بالكثير من العلاقات الجيدة مع عدد غير قليل مِن الجمعيات والهيئات التي تعمل لنُصرة القضية العربية داخل الدولة العثمانية، فكان يؤيد بعض الجمعيات ويستهجن سلوك أخرى، فعندما أسس عدد مِن الشباب العرب في الأستانة منتدى أدبيًا لهم، وطلبوا مِن الرصافي أن ينظم قصيدة تنشد يوم الافتتاح، لم يعترض، ونظم لهم قصيدة إلى الشبان التي قال فيها:

أنت يا جاهل قبل الممات
 

 

ميت بمسرح ما بين البيوت
 

أو ما تعلم في هذي الحياة
 

 

أن رب العلم حي لا يموت
 

 

وأثناء إقامة الرصافي في الأستانة تأثر بالتيارات الفكرية والسياسية والأدبية التي كانت موجودة بها، والتي كان جزء كبير منها متأثرًا بالأفكار الفرنسية، ومبادئ الثورة الفرنسية، التي ترسب الكثير من أفكارها في الأدب التركي، وتأثر معروف بهذه الأجواء فتأثر بأفكار الفرنسيين وأفكار الأدباء الأتراك، وظهر هذا التأثر جليًا في مجموعة من الترجمات التي قام بها معروف عن الأدب التركي، ومنها: رواية "الرؤيا" لأديب تركيا وشاعرها الكبير "نامق كمال"، والتي طبعت في بغداد عام 1909 م، كما ترجم عن التركية نشيدًا للشاعر التركي "توفيق فكرت"، وقصيدة أخرى أسماها "من مطبخ الدستور".

وكان معروف يلبس في فترة قدومه إلى تركيا العمامة، ولكن بعد خلع السلطان عبد الحميد الثاني عن الحكم، وسيطرة عدد من رجال الاتحاد والترقي على بعض مقاليد الأمور في تركيا، تعرض الرصافي لحادثة بسبب عمامته؛ حيث طاردته الشرطة التي كانت تطارد بعض ذوي العمائم الذين كانت تتهمهم بالشغب والتحريض على الثورة ضد الحكومة الانقلابية في تركيا، وربما هذا ما ساهم جزئيًا في أن يخلع الرصافي عمامته، ويرتدي الزي العصري الأوروبي.

وظل معروف الرصافي في تركيا حتى انتهت الحرب العالمية الأولى، والتي شهدت تمزيق الدولة العثمانية المترامية الأطراف، وحدوث قطيعة كبيرة بين العرب والأتراك عقب الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين سنة (1916م)، والاحتلال البريطاني للعراق، كل هذه التطورات الكبرى أدت إلى أن يغادر الرصافي تركيا، حيث طلَّق زوجته التركية، وظل حتى موته بلا زوجة، فقدم إلى دمشق على الحكومة العربية التي تخضع لفيصل بن الشريف حسين، لكن الرصافي لم يشعر بالتكريم الذي كان يتصور أن يحصل عليه في ظل الحكم الفيصلي، وربما يعود ذلك إلى أن فيصل ترامت إليه أقوال أنَّ الرصافي هجا أباه الشريف حسين عندما أعلن الشريف ثورته ضد الدولة العثمانية لحساب الإنجليز، وهي حركة كان يعارضها الرصافي.

ترك الرصافي دمشق، وكانت تلك مِن الثمار التي بدأ يجنيها من شعره السياسي، واتجه إلى القدس لتدريس الآداب العربية في دار المعلمين، لكنه أبى أن يتركها دون أن يفرغ شحنة الغضب التي في نفسه ليجعلها أشعارًا نارية، فكانت قصيدته "بعد براح الشام" ومما جاء فيها:

كم مدع دعواي في وطنية
 

 

أنا كنت أبنيها وكان يقوض
 

من كل عبد في السياسة باعه
 

 

وشراه هذا الدرهم المقبوض
 

 

ولم تكن قيادة العراق أمرًا هينًا خاصة في ظل الاحتلال، فقد تحمل الإنجليز الكثير مِن القتلى والخسائر لفرض سيطرتهم على العراق، لكن لم تمض إلا سنوات قليلة حتى قامت ثورة عارمة في العراق سنة (1920م) عرفت بثورة العشرين، وكانت روح الثورة عارمة في العراق، وأرسل بعض أحرار العراق إلى الرصافي في القدس يستدعونه للحضور وأن يجاور شعره وقلمه ثورتهم ورفضهم للاحتلال، فلبى الرصافي الدعوة وعاد إلى العراق وشارك في الكثير مِن الفعاليات والأحداث السياسية ... ومع تطور الأوضاع السياسية في العراق اتجه الإنجليز إلى تنصيب فيصل بن الحسين ملكًا على العراق، وكان معروف مِن أشد المعارضين لهذا الاتجاه؛ لما له من تاريخ معارض لفيصل ووالده الشريف حسين.

ومع نجاح فيصل في أن يكون ملكًا على العراق بمعونة الإنجليز سنة 1921م واستمراره حتى 1933م في العرش، كان الرصافي يشعر أنَّ العلاقة بينه وبين الملك متأزمة إلى أقصى درجة، وأنَّه سينال حظًّا مِن الإبعاد والتجاهل في عهده، وصدقت نبوءته فقد تم إبعاد الرصافي عن الكثير مِن المناصب الرفيعة سواء الأدبية أو السياسية، وإن كان عُيِّن مفتشًا للغة العربية في وزارة المعارف العراقية، ثم نائبًا لرئيس لجنة الترجمة والنشر، وقد شعر أنَّ هناك نية مُبيتة لتجاهله؛ خاصة وأنَّ هذه اللجنة لم يكن لها رئيس.

وأثار هذا الاستبعاد عن المناصب الرسمية والتجاهل حفيظته، وأخذ ينشد شعرًا يشرح مأساته مِن وجهة نظره، وكان مِن بين القصائد التي قالها قصيدة "إلى أولي الأمر"، كان الرصافي يخوض معركتين في آن واحد: أولاها مع الملك فيصل الذي ألحق بالرصافي ظلمًا شخصيًا، والأخرى مع الإنجليز الذين يحتلون العراق وينهبون ثرواته، ولذا قرر أن يغادر العراق وألا يعود إليها مرة ثانية، فسافر إلى الأستانة، لكنه لم يلبث بها طويلًا، فارتحل إلى بيروت، وله في هذا المقام قصيدة مهمة "بعد النزوح" وهي قصيدة نظمها في بيروت سنة 1922م، ومما جاء فيها:

أنا ابن دجلة معروف بها أدبي
 

 

وإن يك الماء منها ليس يرويني
 

قد كنت بلبلها الغريد أنشدها
 

 

أشجى الأناشيد في أشجى التلاحين
 

 

لم يطل أيضًا مقام الرصافي ببيروت؛ إذ عاد إلى بغداد مرة أخرى، ونكص عن هجرانه لها، وعاد إليها ونظم قصيدة مؤثرة في ذلك يقول فيها:

آب المسافر للديا
 

 

ر على اضطرار في إيابه
 

لو كان يجمح للإيا
 

 

ب لما تعجل في ذهابه
 

قد كان يمرح في التغر
 

 

ب بالحفاوة من صحابه
 

لا تعجبن لخامل
 

 

لبس النباهة في اغترابه
 

فالسيف أحسن ما يكو
 

 

ن إذا تجرد من قرابه
 

أما العراق فإن لي
 

 

كل الرجاء بأسد غابه
 

ينجاب يأسي بالرجا
 

 

ء إذا أضوأ من شهابه
 

لمع الذكاء بوجهه
 

 

كالبرق يلمع في سحابه
 

 

وعقب عودته تولى تدريس الأدب العربي في دار المعلمين العالية في بغداد وطبعت محاضراته في كتاب (دروس في تاريخ آداب اللغة العربية)، وقد أصدر جريدة سنة (1923م) عرفت باسم جريدة الأمل ولكنها حُجبت بعد مدة قصيرة بعد أن صدر منها (68) عددًا.

كانت أفكاره وأشعاره في تلك الفترة مُنغمسة في السياسة والأحداث التي تجري في العراق، وكان مُتأثرًا ببعض الأفكار الاشتراكية، فكان يطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، ويطالب بالعدل والمساواة بين العراقيين، ونظرًا لمواقفه السياسية ظل معروف مُبعدًا عن المناصب الحكومية والرفيعة، وكان أقصى ما استطاع الحصول عليه هو أن يصبح سنة 1930م نائبًا عن الأُمَّة في المجلس النيابي العراقي الذي عرضت عليه المعاهدة الإنكليزية وكان مِن معارضيها لأنَّها تمنح استقلالًا شكليًا للعراق، لكنه لم يستطع أن يتحمل ما يجري مِن صراعات سياسية في بغداد، فقرر أن يهجرها ويسكن في الفلوجة وكان ذلك عام (1932م) وهناك ألَّف كتابه (الشخصية المحمدية: حل اللغز المقدس)، وكتاب "رسائل التعليقات". غير أنَّه لم يستطع أن يبتعد عن بغداد كثيرًا فعاد إليها سنة (1941م) وكان ذلك أثناء ثورة رشيد عالي الكيلاني الشهيرة في العراق، حيث سكن الرصافي في حي الأعظمية وهو من الأحياء العريقة في العراق وهو منسوب إلى الإمام أبي حنيفة النعمان.

كان العراق يمر بظروف عصيبة، ومرَّ الرصافي هو كذلك بظروف عصيبة وأصابته أمراض الفقر والشيخوخة ففتح دكانًا لبيع السجائر، لكن أغلقه بعد وقت قصير لكساد سوقها، وهو ما أصابه بنوع مِن اليأس والإحباط حتى قال: "والله لو أنني حاولت بيع الأكفان لما استأثرت يد الرحمن بنفس مِن الأنفس" وهو كلام يعكس قدرًا كبيرًا مِن القنوط واليأس حيث رق حاله وأصابته الفاقة حتى وفاته في يوم الجمعة (16 من مارس 1945م).

وكان لمعروف الرصافي تمثال قبل الاحتلال الأمريكي للعراق في الساحة المقابلة لجسر الشهداء عند التقاطع مع شارع الرشيد المشهور قرب سوق السراي والمدرسة المستنصرية الأثرية.

وكان الرصافي لا يقرأ إنما يتكئ على شدة ذكائه وحدة فهمه ويكتفي بما حصل في شباب مِن أدب وعلم.

وكان لنشأة الرصافي المتقلبة سواء في حياته التعليمية بين الكُتَّاب ومدرسة رسمية ومدرسة عسكرية ودراسة دينية وحياته العملية أو التعليمية، أو تنقلاته وعدم استقراره في مكان حيث تنقل بين العراق وتركيا وفلسطين، أثرها في  إحساسه بنوع مِن الغُربة، وأن يتولد عنده عشق دائم للحرية، وحساسية مفرطة تجاه أي مساس بهذا الشيء الذي يُسمى الحرية والذي جعله مُقدسًا في حياته، غير قابل لانتزاع أو النزاع، ومِن أشعاره في هذا الأمر:

إذا لم يعش حرًا بموطنه الفتى
 

 

فسم الفتى ميتًا وموطنه قبرا
 

أحريتي إني اتخذتك قبلة
 

 

أوجه وجهي كل يوم لها عشرا
 

 

ويردد البعض أنَّ لعشقه للحرية، وحالة الاغتراب وعدم الاستقرار التي كان يعيشها، ناهيك عن ضغوطات الحياة التي كان يتعرض لها أثرها في ألا يحرم نفسه من ملذات الحياة بكافة أشكالها، خاصة أنَّه انفصل عن زوجته التركية بعد مغادرته للأستانة ولم يتزوج حتى نهاية حياته، ويقول في ذلك معاتبًا نفسه:

نهيتك عن هواك فما انتهيت
 

 

ولكن قد فعلت ما اشتهيت
 

فيا نفس عن الشهوات كفى
 

 

فأنت عليك يا نفس جنيت
 

 

وقد أورثته الحياة القلقة التي عاشها وعدم الاستقرار والاغتراب والتنوع في الأماكن التي عاش فيها، والأحداث التي مرت بها المنطقة بدءًا من الدولة العثمانية إلى العراق إلى بلاد الشام، وحالة عدم الاستقرار نوعًا مِن التطرف في آرائه السياسية.

أما عقيدته، فكانت محل نقد كبير، خاصة مع كتابه "الشخصية المحمدية" الذي سعي فيه إلى نزع القداسة عن شخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والنظر إليه مجردًا من النبوة، ومن أشعاره فيما يتعلق بالجانب العقدي:

لقنت في عهد الشباب حقائقًا
 

 

في الدين تقصر دونها الأفهام
 

ثم انقضى عصر الشباب وطيشه
 

 

فإذا الحقائق كلها أوهام
 

 

ويري البعض أنَّ حالة الشَّك التي مرَّ بها الرصافي لا تكاد إلا أن تكون عارضًا، خاصة وأنَّه نشأ في بيئة مُتدينة، وأنَّ الشَّك هو أول مراحل اليقين، ويوجد مِن شعره ما يؤيد ذلك، ومنها قوله:

لي في معرض الشك ربصة
 

 

ورب يقين ناله المتربص
 

 

ورأي البعض أنَّ سلاح الاتهام في العقيدة والاتهام بالإلحاد كان سلاحًا مشروعًا في ذلك الوقت للنيل مِن المنافسين، خاصة إذا كانوا مِن أولي الرأي والفكر والقلم، غير أنَّ ما كتبه الرصافي في "الشخصية المحمدية" يعكس كثيرًا مِن موقفه مِن العقيدة الإسلامية، كما وجه انتقادات وغمزًا كبيرًا لعددٍ مِن الصحابة ومِن بينهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

- البيئة التي نشأ فيها معروف الرصافي

البيئة السياسية:

كانت المشروطية أو الدستور وضع في الدولة العثمانية كنوعٍ مِن الدخول إلى الدولة العصرية، وتم تشكيل مجلسين أحدهما عرف باسم الأعيان، والآخر للنواب عرف باسم مجلس المبعوثان، وأعلن الدستور وافتتح المجلسان في (ذي الحجة 1293هـ = ديسمبر 1876م).

لكن لم تطل الحياة النيابية كثيرًا، حيث لم تزد عن 11 شهرًا مِن تاريخ انعقاده، أصدر بعدها السلطان عبد الحميد قرارًا بتعطيل مجلس الأعيان والمبعوثان في (13من صفر 1295هـ = 14 من فبراير 1878م)، واستمر هذا التعطيل زهاء 30عامًا لم تفتح خلالها قاعة البرلمان مرة واحدة.

وظلَّ العمل بالدستور معطلًا حتى أصدر السلطان عبد الحميد الثاني في (23 من جمادي الآخرة 1326هـ = 23 من يوليو 1908م) قرارًا بإعادة العمل بالدستور.

وكان في بداية أمره لا يرى أنَّ الإصلاح المنشود في الأمصار العربية يتم مِن خلال هدم الخلافة العثمانية وانفصال الأمصار العربية عنها، كما كان يطالب بعض المثقفين العرب والسياسيين، ولعل هذا ما فسر موقفه مِن الشريف حسين وثورته العربية سنة 1916م.

والواقع أنَّ عودة العمل بالدستور مرة أخرى في ظل حملة متصاعدة ضد السلطان عبد الحميد الثاني، ووجود عدد مِن الجمعيات السرية والسياسية والقومية في الدولة العثمانية، وكثرة الحديث عن الثورة الفرنسية ومبادئها ورواج أفكارها بين النخبة المثقفة في الدولة العثمانية، وتعدد الأفكار وانتشار الآراء التي ترفض الاستبداد وتطالب بنظام الحكم النيابي، كذلك انتشار الأفكار الاشتراكية، كل ذلك فتح الوعي السياسي لمعروف السياسي مُبكرًا على قضايا الحكم والسياسة ودور الشعوب في أي نظام سياسي، ومن ثم نجد وجود ارتباط ملحوظ في أشعار الرصافي والقضايا السياسية التي كانت تمر بها الدولة العثمانية باعتبارها دائرة الانتماء الأكبر التي كان يعيش فيها الرصافي، ناهيك عن انتمائه الوطني العراقي الذي تأجج مع الاستعمار البريطاني للعراق في نهاية الحرب العالمية الأولى.

كان العراق كما كل أنحاء الدولة الإسلامية في نهاية القرن التاسع عشر يخضع للخلافة، وكان العراق مسرحًا لحروب دامية وطويلة بين العثمانيين والصفويين في إيران، وهو ما نهك العراق وأورثه ضعفًا كبيرًا، خاصة مع تجاذب السيطرة عليه بين الجانبين، ولا شكَّ أنَّ الدولة في آخر عهدها تكون في مراحل كبيرة من الضعف وهو ما ينعكس على كافة الأنشطة في الدولة، ولعل هذا الضعف الذي أصاب الخلافة العثمانية انعكس في الأقاليم الخاضعة لها ومن بينها العراق.

ولم يكد العراق يتنفس الصعداء مع بداية القرن العشرين حتى وقع تحت الاحتلال الإنجليزي أثناء الحرب العالمية الأولى، حيث تمت السيطرة الكاملة عليه مع قرب انتهاء الحرب، كما شهد العراق ثورة العشرين التي شارك فيها الكثير مِن أبناء الشعب العراقي طلبًا للاستقلال والتي استمرت عدة شهور، غير أنَّ الإنجليز استطاعوا أن يقمعوها.

ورغم إنَّه لم يكتب للثورة النجاح في طرد الانجليز نهائيًا مِن البلاد أو القضاء على نفوذهم إلا أنَّها نجحت في تبديل الحكم الاستعماري المباشر إلى حكم وطني وإقامة أول حكومة وطنية عراقية، وعيَّن المندوب السامي (السير برس كوكس) عبد الرحمن الكيلاني نقيب الأشراف في بغداد رئيسًا لأول حكومة تمارس مهامها تحت نظر المندوب السامي البريطاني وتلك الخطوة هي التي مهدت لتعيين فيصل بن الحسين ملكًا على العراق سنة 1921م ليبدأ عهد جديد في تاريخ العراق بمعاهدة غير متكافئة وهي المعاهدة العراقية البريطانية الأولى، والتي فرضت على ملك العراق استشارة الحكومة البريطانية في جميع الشئون المهمة وهو الأمر الذي يوضح شكل العلاقة بين بريطانيا والعراق، إذ ازداد مع الوقت إصرار الانجليز على توطيد سيطرتهم ونفوذهم في العراق، وهو ما تجلى في معاهدة 1930م الجائرة على العراق والتي بدت في ظاهرها أنَّها تحقق الاستقلال للعراق بتحريرها إياه مِن الانتداب وتمكنه من الانضمام لعصبة الأمم عام 1932م، إلا أنها ألزمته بكثير مِن القيود الغليظة القاسية مثل تقديم التسهيلات والمساعدات أثناء الحرب، ومنح العراق لبريطانيا موقعين لقاعدتين جويتان بالإضافة إلى قوات عسكرية أخرى.

مِن هنا اشتدت مقاومة الشعب العراقي للمعاهدة وللتدخل الإنجليزي في حكم بلاده حتى اتخذت صورة الحرب في عام 1941م حينما ثار الجيش ومعه الشعب كله تتقدم حكومته الوطنية حكومة رشيد عالي الكيلاني، واستمر لمدة شهر في محاولة لطلب الاستقلال لكنها فشلت في تحقيق ذلك، وهرب بعض قادتها إلى الخارج وعلى رأسهم رشيد عالي الكيلاني.

هذه هي الخطوط للوقائع والأحداث السياسية في العراق منذ الحكم العثماني، والتي عاصر الرصافي معظمها على مدى حياته السياسية التي امتدت أكثر من نصف قرن، وسخر شعره لتسجيل هذه الأحداث ونقدها أو تأييدها، حيث شهدت حياة الرصافي.

البيئة الأدبية:

البيئة الأدبية التي  نشأ فيها الرصافي تجمع بين ما عايشه في العراق، إضافة إلى تأثره بالأجواء الأدبية في تركيا والتي كانت تُعبِّر عن مزاج فرنسي، حيث إنَّ الكثير مِن المعارضين للسلطان عبد الحميد الثاني كانوا مُتشبعين بفكر الثورة الفرنسية والتي رفعت شعارات (الحرية- العدل- المساواة)، وهناك مِن يرى أنَّ الأفكار الفرنسية عن الثورة تسربت إلى الحركة الأدبية والفكرية قبل الحركة السياسية، ومن ثم كانت الحركة الأدبية في عاصمة الخلافة شديدة التأثر بالثورة الفرنسية، وهو ما أثر في الرصافي الذي كان يعيش في العاصمة العثمانية آنذاك.

وقد ساد الأدب التركي تياران أدبيان، وكلاهما تأثر بالمدرسة الفرنسية:

الأول: تيار أدبيات جديدة: وتأثر بالمدرسة الكلاسيكية الفرنسية، وترجم كثيرًا مِن قصص موليير، وكُتب جان جاك روسو، وفولتير، وكان زعيم هذا التيار شاعر تركيا الكبير "نامق كمال" الذي عاش فترة طويلة في فرنسا، وكان ثوريًا، وكان لأفكاره أثرها على الحياة الثقافية التركية، وتفتح جزء مِن أفكار كثيرٍ مِن المثقفين العرب المقيمين في تركيا، ومِن بينهم الرصافي، على تلك الأفكار خاصة التي تطالب بالإصلاح النيابي والديمقراطي، وفي ظلِّ هذه البيئة تفتح وعي الرصافي، حتى إنَّه ترجم عددًا مِن أعمال "نامق كمال" إلى اللغة العربية.

أما التيار الثاني فسمي أدبيات جديدة حديثة: وهو يعبر عن معاني أكثر تجديدًا، وظهر في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل العشرين، ويعد الشاعر التركي "توفيق فكرت" مِن رواد هذا التيار، وكان فكرت يهاجم الفساد، حتى إنَّ الرصافي ترجم له قصيدة مهمة وهي نشيد تركي بعنوان "النشيد الوطني"، وقصيدة أخرى بعنوان "مطبخ الدستور"، وقد تأثر الرصافي بالتيارين، وتشبع بالكثير من أفكارهما التي هي في حقيقتها متأثرة تأثرًا كاملًا بالأفكار الفرنسية.

أما على مستوى العراق، فقد امتازت نهضة العراق الأدبية بأنها نهضة شعرية أكثر مما هي نثرية وإن إصابه (أي الشعر) الركود والفتور مع الاحتلال الإنجليزي لبغداد.

وقد ساهمت عدة عوامل في صيانة الشعر العربي في العراق والإبقاء عليه متوجهًا، ومنها: قوة اللغة العربية المستمدة مِن القرآن الكريم. ومصادر النزاع والشقاق بين المذاهب الإسلامية، وهو ما أبقى على اللغة متوجهة وفي مقدمتها الشعر باعتبارها أداة للتواصل والانتصار للأفكار، والمدارس الدينية والحلقات الأدبية التي كانت تعقد في أروقة (النجف الأشرف، كربلاء، الحلة، بغداد،الموصل، سمراء). والطبيعة الشعرية المتأصلة في نفوس العراقيين.

وقد استعاد الشعر العربي بعد طول رقاد عافيته مع القرن التاسع عشر، إذ كانت عوامل الصراع من أجل البقاء قد أنهكته وأفقدته كثيرًا من حيويته ونشاطه حيث كثر عدد الشعراء في هذا القرن كثرة عجيبة.

ومِن حُسن الحظ أن تعهد عدد من الولاة في العراق أمثال داود باشا وعلي رضا ومدحت باشا الحركة الأدبية والفكرية في العراق بالرعاية حرصًا منهم أن يبقى العراق مركزًا للإشعاع الفكري والأدبي في هذا القرن.

ولكن لا يمكن إنكار أنَّ الشعر العربي في العراق في هذه الفترة (القرن التاسع عشر) قد بقي مُحافظًا شكلًا ومضمونًا على كثير مِن المشكلات التي أصيب بها الشعر العربي في الفترة التي سبقت هذا العصر، حيث حافظ الشعر على تكرار معاني السابقين، واجترار كل دواعي الشعر وأغراضه المختلفة كالوصف والغزل والحماسة والفخر والمدح والرثاء والهجاء وغيرها.

كما أنَّ بناء القصيدة لم يطرأ عليه تبديل أو تغيير، فقد كان لزامًا على الشاعر أن يبدأ القصيدة بالغزل أو النسب أو وصف الفرس أو الناقة أو الليل أو الخمر، فلم يهتم الشعر بالمجتمع الذي يعيش فيه وانفصل عن آهات الشعب وأحلامه وآماله، ومال إلى النزعة الفريدة التي سادت الشعر وجموده على قوالب رجعية مرسومة، وفقدانه لعناصر الجودة مثل حرية التعبير وحرارة العاطفة والجودة في الخيال، وأرجع البعض السبب وراء ذلك إلى سوء الإدارة واضطراب الوضع في البلاد، وتأخر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، وسيطرة الروح الفردية والنظام القبلي.

وهو أمر غير منطقي إذ يمكن أن يكون سبب هذه النزعة الفردية في شعر هذا العصر هو عدم النضوج الفكري والوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بالإضافة إلى الولاء العظيم للخلافة العثمانية المؤسس على الرابطة الدينية التي تشد بين أفراد الشعب العراقي المسلم والخلافة  العثمانية.

غير أنَّ الحال تتبدل مع بداية القرن العشرين إذ إن الشعر الذي كان يدور في فلك الولاة والحكام يقف على أعقابهم بدأ ينزع نزع (شعبية) ويميل إلى التعبير عن أماني الشعب ومتطلباته ليبرز إلى الوجود الشعر السياسي والاجتماعي، وكثر الشعراء الذين يعالجون المشاكل الاجتماعية المختلفة ويتأثرون بالأحداث السارية واتجاهاتها لتبدأ فترة جديدة اهتم فيها الشعر بكل ما يتعلق بالمجتمع العراقي من قضايا اجتماعية مثل التعليم والفقر وقضايا المرأة. كما شارك الشعر العربي في العراق مشاركة فعالة؛ إذ واجه السلطان عبد الحميد الثاني، واتخذ موقفًا حازمًا من الإنجليز وساهم في إشاعة الروح القومية، وإن بقي شكل القصيدة ومبناها على ما هو عليه، غير أنَّ اللغة كانت مألوفة بعيدًا عن المحسنات اللفظية والبديعية، ولم يشوبه تغير إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إذ إنَّ كثيرًا مِن الشعراء بدأوا يتصلون بالآداب الغربية ففتنوا بالشعر الرمزي والشعر الرومانتيكي، ومنهم مَن نزع نزعة وجودية أو واقعية.

ويرى البعض أنَّ الأدب العربي انتعش في ظلِّ العثمانيين وربطوا ذلك بإعراض أبناء البلاد عن السياسة، فليس لهم في الكثير الغالب طموح إلى منصب أو تطلع إلى وظيفة، فانصرفت جهود أذكيائهم وذوي المواهب منهم إلى الأدب فكانت نهضة أدبية عاملها دينية عمت الأقاليم الجنوبية في العراق، واقتصرت على الشعر والذي يمكن تسميته (الشعر العلوي) أو (الشعر الحسيني)، ومركزها كانت النجف والحلة موضوع مأساة الحسين وغيره من الأئمة.

وهو ينطوي في جوهره على القوة والحماسة، وكان له أثره في إشاعة الفصحى ودحر العامية في الأقاليم التي توطن فيها؛ نظرًا لإقبال العامة عليه إقبالًا منقطع النظير جاوره الشعر الغنائي أو الغزلي.

ويلاحظ أنَّ الفترة الثانية مِن العهد العثماني والتي بدأت بإعلان الدستور سنة 1908م تجدد فيها الشعراء وعدلوا بشعرهم عن مذاهب الجامدين؛ فقلَّ المدح وكثر وصف جمال الكون ومحاسن الطبيعة، وشاع الشعر السياسي والشعر الاجتماعي حيث عبر الشعراء عن مساوئ الاستبداد ومجدوا الحرية وأشادوا بقيم الفضائل .. وامتاز هذا الشعر بأنَّه شعر له رسالة، يعبر عن آلام الأُمَّة وآمالها ورغبتها في التخلص من عوامل الضعف والانحلال، فعَلَتْ فيه نبرة القومية. ومِن بين شعراء هذه الفترة كان جميل صدقي الزهاوي، معروف الرصافي، رضا الشيبي، حبيب العبيدي، خيري هنداوي.

***

- مؤلفات الرصافي وآثاره ([1]):

ألَّف الرصافي عددًا مِن الكتب وله عدد مِن الدواوين، بعضها طبع في حياته، والبعض الآخر طبع بعد موته بسنوات طويلة، ونستطيع أن نذكر ما كتبه وألَّفه الرصافي على النحو التالي:

1- الشخصية المحمدية: هذا الكتاب أهم ما كتبه الشاعر سواء المخطوط منها أو المطبوع، وفكرة تأليف الكتاب قامت في نفسه عام 1929م ونفذها في عام 1933م عندما أقام في الفلوجة وبقي يشتغل فيه حتى عام 1941م ويقع في 43 كراسًا، وأودعه بخطه لدى صديقه المرحوم محمود السنوي كما استنسخه الأستاذ مصطفى علي واستنسخه كامل الجادرجي بخطه، ويقع في أربعة مجلدات تضم 1154 صفحة وعليه إجازة بخط الرصافي نفسه، وفي مكتبه المجمع العلمي العراقي نسخة منه. والكتاب لم يكمله كما بيَّن الرصافي للجادرجي في سنة 1944م، وقامت دار الجمل في ألمانيا بطباعته في أكثر مِن (700) صفحة عام 2002م، وهو كتاب حوى الكثير مِن الجدل سواء في تأخر نشره  بعد موت الرصافي بما يقرب مِن خمسة عقود، أو في مضمون الكتاب نفسه.

2- الرسالة العراقية: وهذا الكتاب لا يقل جدلًا عن الكتاب السابق، وسماه الرسالة العراقية، لأنَّه لم يخرج في مباحثه مما له علاقة بالعراق الحديث من سياسة ودين واجتماع كما قال في مقدمته، وهو يقع في خمسة أجزاء نشر بعض فصوله الأستاذ مصطفى علي، والبعض الآخر السيد سعيد البدري .. إلا أنَّ دار الجمل قامت بطباعته عام 2007م، ويحمل كثيرًا مِن النقد الاجتماعي للعراق، وفيه عرض للمسألة الطائفية في العراق، ورؤيته لأسباب استمرار التشيع في العراق والدور الإيراني في ذلك.

3- خواطر ونوادر: رسالة كتبها في الفالوجة عام 1940م ووصفها بأنها كراسة وبيَّن عنها في المقدمة: "وهو أنا اليوم أثبت لك في هذه الكراسة شيئًا مما عنَّ أو يعن لي من خواطر حرة طليقة في سوانحها مِن كل قيد، وفيها خواطر عن الدين واللغة والفن وغيرها".

4- الآلة والأداة: كتاب لغوي جمع فيه الرصافي أسماء الآلة وما يتبعها مِن الملابس والمرافق وذلك بعد كثرة المخترعات والأدوات الحديثة، ورتب ما جمعه على حروف المعجم، وقد جوز استعمال المصطلحات الغربية والاشتقاق منها واستعمالها متعدية، وجعل مِن رقي اللغة واستجابتها لدواعي العصر وسيلة لرقي الأُمَّة ونواة الكتاب محاضرته "جحودنا في اللغة" التي ألقاها على المدرسين في بغداد والموصل، وقد طبع هذا الكتاب عن مكتبة الثقافية الدينية، بتحقيق الأستاذ عبد الحميد الرشودي في بيروت 1980م، وطبع في بغداد عن دار الرشيد سنة 1980م.

5- دفع المراق في كلام أهل العراق: أول دراسة علمية منهجية عن اللغة العامية البغدادية وعن الأدب الشعبي عن الأمثال العامية البغدادية بدأ في كتابتها في سنة 1919م وأخذ ينشر فصولًا منها في مجلة لغة العرب البغدادية عام 1926م و1928م، وفي 1922م نشر فصولًا مهمة مِن الكتاب عن الأمثال البغدادية في صحيفة "حبزبوز"  الشعبية الأسبوعية ووعدت الصحيفة القراء بنشر الكتاب بصورة مستقلة ولكنها لم تف بالوعد، وعثر مصطفى علي على قسم منه غير منشور وفقد القسم الآخر.

6- المسلمون في هذا العصر: ذكر الأستاذ رفائيل بطي هذا الكتاب باسم "حالة المسلمين اليوم" وأنَّ الرصافي في 1923م يروم وضع هذا الكتاب الخطير كما يقول، ولم يذكر أحد المؤرخين للرصافي شيئًا عن هذا الكتاب، وقد عثرنا على إشارة إليه بعد أن غير عنوانه تغييرًا طفيفًا في رسالة مؤرخة في آذار 1941م أرسلها إلى أحد أصدقائه وفيها يقول: "إنه أنجز مقالًا بهذا الاسم وفيه مباحث شتى لم يتطرق إليها علماء الدين مِن قبل، بل لم ينتبهوا إليها البتة، وقد أثبت فيه أن لا ملكية في الإسلام".

7- رواية الرؤيا: هي رواية الأديب التركي نامق كمال وقيل: إنَّه طبعها سنة 1909م ببغداد وقام الرصافي بترجمتها إلى العربية.

والعنوان الكامل لها "كتاب الرؤيا في بحث الحرية للكاتب العثماني الشهير محمد نامق كمال بك مع ترجمة حياته تعريب الرصافي"، وتقع الرواية في 36 صفحة من القطع المتوسط، وطبعت في مطبعة الشهبندر ببغداد، وأُشير في غلاف الترجمة إلى أنَّ حقوق إعادة الطبع لجريدة بغداد. وقد قام الرصافي بعد إعلان الدستور بالكتابة بالجريدة المذكورة التي نشرت الرواية تباعًا.

والترجمة جيدة الأسلوب سلسة العبارة، نقل فيها الرصافي صورة وألواح الكاتب التركي إلى البيان العربي، وهي نثرية  كما في الأصل  التركي، وسوغ الرصافي لنفسه الاستشهاد ببيت أو أكثر من روائع الشعر العربي القديم، وهذه الطريقة مستساغة عند التراجمة العرب في مصر ولبنان وعندما شرع الرصافي في ترجمة الرؤيا.

8- قانون حق التأليف: وهي ترجمة أخرى عن اللغة التركية لقانون حق التأليف الصادر 1326هـ لم يذكرها كل مَن ترجم أو كتب عن الرصافي سوى عبد الحميد الرشودي في مجلة الأديب وتقع في صفحات قليلة، ونشرت في مجلة (القضاء) التي تصدرها نقابة المعلمين في العراق العدد (1-2) عام 1948م.

9- المساواة بين المرأة والرجل: في حين إشغاله رتبة النيابة في البرلمان العثماني وعند اشتداد المطالبة بحقوق المرأة الاجتماعية، رأى الإسهام في هذا الموضوع الذي يهتم به، فكتب دراسة باللغة التركية اسمها "كلكله قادين اره سند" ومعناها "هل يمكن المساواة بين المرأة والرجل"، أردفها بترجمة عن اللغة العربية إلى اللغة التركية لمقالة في نفس الموضوع كتبها الفيلسوف العربي شبلي شميل، وطبعت الدراسة والترجمة في إستانبول عام 1233هـ، وعثر على نسخة منه الأستاذ إبراهيم الداقوقي في العاصمة التركية عندما كان ملحقًا ثقافيًا في السفارة العراقية، ووصف هذه الدراسة أو الكتاب "أنَّ الرصافي يظهر خلال الكتاب ملمًا باللغة التركية إلمامًا تامًا"، وقد ترجم إلى اللغة العربية بقلم الأستاذ الداقوقي ولم يطبع حتى الآن.

10- العقل في الدين الإسلامي: عندما سافر الرصافي في سفرته الأخيرة إلى الأستانة في 1922م طلب منه الكاتب التركي التقدمي جلال نوري كتابه رسالة عن "العقل في الدين الإسلامي"، فكتب البحث باللغة التركية ونشر في العاصمة التركية عام 1923م ضمن دراسة لعدد من الكتاب الأتراك بعنوان "الشعب الذي لبس التاج"، ولم يترجم هذا الأثر إلينا إلا في عام 1928م بقلم رائد القصة العراقية محمود أحمد السيد، ونشره في مجلة الحديث في السنة التي تُرجم فيها، ويقع في عدة صفحات، وأعيد نشره في مجموعة القافلة عام 1959م.

11- ديوان الرصافي: طبع الديوان الطبعة الأولى في مدينة بيروت سنة 1910م في مقدمة كتبها الشيخ محيي الدين الخياط وفي أربعة أبواب هي: الكونيات والاجتماعيات والتاريخيات والوصفات، وقام بشرح ألفاظه الشيخ مصطفى الغلاييني ولم يتم الشرح لمرضه، وطبع في القاهرة طبعة ثانية في 1926م من قِبل المكتبة الأهلية التي اشترت حق طبع الديوان مِن الشاعر، وطبع بلا موافقة منه وليس فيه زيادة على الطبعة الأولى ويقع في 232 صفحة من القطع المتوسط.

وفي سنة 1931م طبع في بيروت بإشراف الشاعر نفسه وفيه مقدمة نفيسة كتبها العلامة عبد القادر المغربي، وفي الديوان سبعة أبواب جديدة هي: الفلسفيات والحريقيات والمراثي والنسائيات والسياسيات والحربيات والمقطعات، وهذه الأبواب السبعة مضافة إلى الأبواب الواردة في الطبعة الأولى وفي الطبعة الثانية، فجاء الديوان يضم معظم شعر الرصافي وفي تبويب منظم إذا ما قيس مع الطبعتين الأوليين وهو في 524 صفحة.

وفي سنة 1949م طبع طبعة رابعة في القاهرة، وأتم شرح الديوان الذي بدأ به الغلاييني الأستاذ مصطفى السقا مِن أساتذة جامعة فؤاد الأول (سابقًا)، وكتب له مقدمة بيَّن فيها مزايا الطبعة الجديدة، وسوغ السقا لنفسه تقسيم الديوان إلى جزأين، وأضيف إلى هذه الطبعة عدد غير قليل من الرصافيات المنظومة بعد صدور الطبعة الثالثة، وقد نشرت في هذه الطبعة مقدمة الشيخ المغربي.

وطبع طبعة خامسة في القاهرة بإشراف الأستاذ السقا بمقدمة المغربي وأضيفت قصائد غير قليلة للشاعر نشرها عبد الحميد الرشودي في كتابه "ذكرى الرصافي" المطبوع في بغداد عام 1950م.

ثم طبع للمرة السادسة والسابعة في القاهرة أيضًا تلتها مرة أخرى في بيروت عام 1969م.

وفي الأسواق طبعة جديدة للديوان صغيرة الحجم تقع في جزأين فيها أكثر من مقدمة وكلمة ودراسة للأستاذ الخطاط عن الرصافي كان قد سبق ونشرها في كتاب "الرصافي شاعر العرب الكبير" المطبوع في القاهرة 1971م.

هذه الطبعات الكثيرة لم يشهد الشاعر منها إلا ميلاد الطبعة الأولى في 1910م والثالثة في 1931م؛ لأنَّ الثانية التي طبعت عام 1935م فقد طبعت بلا علم منه أو موافقة، والطبعات الأخرى فقد تمت بعد انتقال الشاعر إلى رحمة ربه.

12- الأناشيد المدرسية: مجموعة من الأناشيد نظمها عام 1920م في القدس حينما كان يقوم بالتعليم هناك وجمعها وطبعها خليل طوطح الفلسطيني في القدس، وجعل كل نشيد في صفحة تقابلها نوتة النشيد الموسيقية.

13- تمائم التعليم والتربية: مجموعة قصائد نظمها الشاعر عام 1922م وجعلها كسابقتها خاصة بالناشئة وفيها قصائد كثيرة نشرت في الديوان وأراد قبيل وفاته إعادة طبعها فلم يتوفق، والطبعة الأولى منها نشرت في بغداد عام 1942م، والطبعة الثانية صدرت في بغداد عام 1949م.

14- دفع الهجنة: دراسة منهجية خاصة بالألفاظ العربية المستعملة في اللغة العثمانية وقد تغير معناها عن الأصل العربي، وعنوان الدراسة "دفع الهجنة في ارتضاخ اللكنة" وطبع في استانبول سنة 1913م بنفقة مجلة "لسان العرب" لصاحبها أحمد عزة الأعظمي، وتناول طائفة من الألفاظ العربية في اللغة التركية.

15- نفح الطيب: مجموعة محاضراته في مدرسة الواعظين في إستانبول وفيها نظرات نافذة في أدب الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين" وآراءه في الخطباء العرب المعاصرين للمؤلف وطبعت في العاصمة العثمانية سنة 1336هـ.

16- الأدب العربي: مجموعة لمحاضراته التي ألقاها على مدرسي المدارس الرسمية ببغداد في 1921م وكتب مقدمتها الأستاذ روفائيل بطي ومنها "وإذا كان الرصافي قد اشتهر بشعره فليس لأنه لا يجيد غيره، كلا فإنَّ له من الآثار القيمة في العلوم الأدبية واللغوية ما يسمو به إلى مرتبة أكابر أساتذة العربية"، وجاء في 64 صفحة من القطع المتوسط وطبع ببغداد عام 1921م.

17- آراء أبي العلاء المعري: كتاب جمع فيه آراء المعري في مختلف شئون الحياة ألَّفه عام 1924م في بغداد وأعاد تأليفه في 1938م في الفلوجة، ونشرت بعض فصول الكتاب في صحف ومجلات بغدد وفي صحيفة "الجامعة المصرية" في وقت واحد، ورغب المؤلف في حياته بطبعه في مطابع دار الكشاف في بيروت فلم يتوفق، وطبع ببغداد عام 1955م.

18- على باب سجن أبي العلاء: هو مِن سلسلة رسائل التعليقات التي حرص المؤلف على جعلها في باب خاص وهو نقد ومناقشة لكتاب المرحوم طه حسين "مع أبي العلاء في سجنه" وتاريخ طبعه هو 1946م ببغداد.

20- عالم الذباب: هو من رسائل التعليقات أيضًا يرد فيه على رسالة بهذا الاسم لأحد الأطباء، وقد طبع ببغداد عام 1947م مع مقدمة للأستاذ عبد الوهاب الأمين كما نشر في مجلة الرسالة المصرية.

21- نظرة إجمالية في حياة المتنبي: مِن محاضراته في بغداد عام 1922م تحدث فيها عن شاعرية المتنبي وحياته وطبعت عام 1959م.

22- الأدب الرفيع في ميزان الشعر وقوافيه: مِن محاضراته على طلابه في دار المعلمين العالية قام بتبويبها والإضافة إليها عند إقامته في مدينة الفلوجة سنة 1940م، وهي تتسم بسمة التجديد والتحرير وفتح باب الاجتهاد لأوزان الشعر العربي، تم طبع الكتاب ببغداد سنة 1956م وسنة 1969م.

23- رسائل التعليقات: هو حلقة مِن سلسلة ورد ذكرها في الدراسة وآخر ما طبع مِن آثاره في حياته، وآثار صدور الكتاب عاصفة في حياة مؤلفه، وقد بدأ في كتابته بعد رجوعه من الفلوجة ونزوله عند صديقه الأستاذ خيري الهنداوي في الأعظمية، ويشير الأستاذ فؤاد عباس في مقال له عن ميلاد الكتاب؛ إذ يبين أنَّه كان يقرأ في أوقات فراغه ما يكون في متناول يده من كتب آل الهنداوي العصرية، فكان يعلق من الذاكرة على هامش هذه الكتب دون الاستعانة بمرجع أو الركون إلى مصدر، ويذكر الأستاذ مصطفى علي أنَّ الفراغ من تأليفه كان عام 1941م. وطبع طبعة ثانية في بيروت عام 1957م.

***

 

نقد الكتاب:

وقد بدأ المؤلف كتابه بمقدمة نقد فيها التاريخ وهجاه بشعره متجاهلًا أهمية التاريخ في حياة البشر، إذ خلق الله تعالى الإنسان وجعل له عمرًا لا يساوي شيئًا في مقابل الأزمان والعصور التي عاشها أسلافه منذ بدء الخليقة. هذه الأزمان الطويلة ولَّدت لدى الإنسان حنينًا إلى معرفة ما كان عليه أسلافه، وكيف كانت حياتهم، والأحداث التي أثرت على حياتهم وغيرت مجراها، لذلك تولد علم التاريخ، الذي يعتبر مِن أقدم العلوم، فقد نُقل بالرواية حتى عرف الإنسان الكتابة فدوَّنه، واهتمت به الأُمم فلا توجد أُمَّة تحيا مِن دون تاريخ، يقول ابن الأثير: "لقد رأيت جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية، ويظن بنفسه التبحر في العلم والرواية يحتقر التواريخ ويزدريها، ويعرض عنها ويلغيها ظنًا منه أنَّ غاية فائدتها إنما هو القصص والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار؛ وهذا حال مَن اقتصر على القشر دون اللب نظره، ومَن رزقه الله طبعًا سليمًا وهداه صراطًا مستقيمًا علم أنَّ فوائدها كثيرة ومنافعها الدنيوية والأخروية جمة غزيرة"([2]).

ويقول ابن خلدون: "إنَّ فن التاريخ فن عزيز المذهب، جَمُّ الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين مِن الأمم والأنبياء في سِيَرهم، والملوك في دولهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يروم أحوال الدين والدنيا"([3]).

كما يفيدنا التاريخ في أخذ العظة والعبرة من قصص الأمم السابقة، فقد ورد في القرآن الكريم كثير من قصص الأنبياء والمرسلين، والطغاة المتجبرين أبانت حال المرسلين عليهم السلام وما كابدوه مِن مشقة وتكذيب واستهزاء وقتل في سبيل إيصال الرسالة الإلهية إلى الخلق. وما آل إليه مصير المكذبين، فقد سلَّط الله عليهم العقوبات الدنيوية التي أهلكتهم شر مَهْلك، فصاروا مثلًا لمن بعدهم؛ يقول سبحانه وتعالى محذرًا الكافرين: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ([4]).

كما بيَّن سبحانه وتعالى مصير الطغاة والمتجبرين كفرعون وهامان وقارون، فقال: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسرائيل الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إسرائيل وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ([5])، بعد أن كان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى([6]).

ويقول ابن الأثير عن العبرة مِن معرفة أحداث التاريخ: "إنَّ الحكام ومَن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سِيَر أهل الجور والعدوان رأوها مدونة في الكتب يتناقلها الناس، ونظروا إلى ما أعقبت مِن سوء الذكر وقبيح الأحدوثة، وخراب البلاد وهلاك العباد وذهاب الأموال وفساد الأحوال استقبحوها وأعرضوا عنها وأطرحوها"([7]).

وإذا كان مؤلف الكتاب –أيًّا كان– قد ادعى عدم أهمية التاريخ لامتلائه بالأكاذيب والترهات، فإنَّه أغفل أيضًا أنَّ التاريخ الإسلامي كان له أسس ونظم قام عليها، حيث قام في أحضان علم الحديث بما فيه من تحفظ في الرواية وتدقيق شديد مِن قِبل العلماء والمؤرخين في الأخذ مِن المحدثين والرواة؛ مما جعل تراث المسلمين لا يضاهى به تراث آخر، لا في كثرة الكتب ولا في أنواعها ولا في استقصائها ولا في مناهجها مطلقًا. لا يمكن أن يقارن تاريخ المسلمين والعطاء الذي فيه بغيره مِن تاريخ الأُمم السابقة.

 

 

([1]) آثار الرصافي، محمود العبطة، مجلة المورد العراقية، مجلد 4، عدد 4، 1975م.

([2]) الكامل في التاريخ، ضياء الدين بن الأثير 1/7، 8.

([3]) مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون، ص 6.

([4]) الروم: 9.

([5]) يونس: 90.

([6]) النازعات: 24.

([7]) الكامل في التاريخ 1/8.

الأحد, آب (اغسطس) 7, 2016