أنت هنا

responses

شبهة تعدد زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم
س:
ج:

شبهة تعدد زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم

بداية نقرر أن هذه الشبهة هي الأكثر رواجًا وانتشارًا بين الحاقدين والطاعنين على نبي الإسلام، ولذلك صدرنا بها هذا الكتاب .

فالبعض يرى أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم كان لأمر دنيوي حيث التمتع الجنسي وإشباع الشهوة في إطار ديني، بحجة أنها من خصوصيات الرسول صلى الله عليه وسلم .

ومن هنا نرى الكثيرين ينتحلون الأكاذيب في حق النبي صلى الله عليه وسلم، فتلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، وصدق الله حيث يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً}[الفرقان: 31].

ويعقد هؤلاء الجهلاء مقارنة ظالمة بين تبي الله عيسى عليه السلام ورسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فبرى هؤلاء الجهلاء أن عيسى عليه السلام كان يجاهد نفسه ويغالب هواه، بينما محمد صلى الله عليه وسلم يجري وراء شهواته.

الرد على هذه الشبهة:

يدور هذا السؤال في ذهني قبل الرد على هذه الشبهة، كم عمر الرسول صلى الله عليه وسلم في أول زواج له بعد وفاة زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها؟

واستكمالا لهذا السؤال: هل كانت جميع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فتيات صغيرات ؟

والإجابة معروفة لدى الجميع، ولكن يتغافل المتغافلون عنها، ويحاول هؤلاء محوها من أمام أعينهم حتى يشككوا المسلمين في أمر دينهم، ويبعدوا الناس عن الإيمان برسالة خاتم الأنبياء والرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .

أولاً: كان عُمْرُ محمد صلى الله عليه وسلم في أول زواج له بعد وفاة خديجة تجاوز الخمسين وهي السنّ التي تنطفئ فيها جذوة الشهوة، وتنام الغرائز الحسية بدنيًّا، وتقل فيها الحاجة الجنسية إلى الأنثى، وتعلو فيها الحاجة إلى من يؤنس الوحشة، ويقوم بأمر الأولاد والبنات اللاتي تركتهم خديجة رضي الله عنها .

ثانيًا: جميع زوجاته الطاهرات ثيبات ـ أرامل ـ ما عدا السيدة عائشة رضي الله عنها فهي بكر .

وفيما يلي بيان هذا الزواج وظروفه.

الزوجة الأولى: السيدة سودة بنت زمعة: كان رحيل السيدة خديجة رضي الله عنها مثير أحزان كبرى في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي محيط الصحابة إشفاقًا عليه من الوحدة وافتقاد من يرعى شئونه وشئون أولاده، ثم تصادف فقدانه صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب نصيره، وسُمِّىَ العام الذي رحل فيه نصيراه خديجة وأبو طالب عام الحزن.

وفي هذا الجو الحزين سعت إلى بيت الرسول واحدة من المسلمات تُسمى خولة بنت حكيم السلمية وقالت له: يا رسول الله كأني أراك قد دخلتك خلّة لفقد خديجة، فأجاب صلى الله عليه وسلم:"أجل كانت أم العيال وربة البيت"، فقالت: يا رسول الله ألا أخطب عليك ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ولكن من بعد خديجة ؟ فذكرت له عائشة بنت أبى بكر، فقال الرسول: لكنها ما تزال صغيرة، فقالت: تخطبها اليوم ثم تنتظر حتى تنضج، قال الرسول: ولكن من للبيت ومن لبنات الرسول يخدمهن ؟ فقالت خولة: إنها سودة بنت زمعة، وعرض الأمر على سودة ووالدها، فتم الزواج ودخل بها صلى الله عليه وسلم بمكة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن سودة هذه كانت زوجة للسكران بن عمرو، وتوفي عنها زوجها بمكة، فلما حلّت تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت أول امرأة تزوجها صلى الله عليه وسلم بعد خديجة، وكان ذلك في رمضان سنة عشر من النبوة.

وعجب المجتمع المكي لهذا الزواج؛ لأن "سودة" هذه ليست بذات جمال ولا حسب ولا تصلح أن تكون خلفًا لأم المؤمنين خديجة التي كانت عند زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بها جميلة وضيئة وحسيبة تطمح إليها الأنظار.

وهنا نقول: إن هذه هي الزوجة الأولى للرسول بعد خديجة، فهي مؤمنة هاجرت الهجرة الأولى مع من فرّوا بدينهم إلى الحبشة، وقد قَبِلَ الرسول زواجها حماية لها وجبرًا لخاطرها بعد وفاة زوجها إثر عودتهما من الحبشة.

وليس الزواج بها سعارَ شهوة للرسول ولكنه كان جبرًا لخاطر امرأة مؤمنة خرجت مع زوجها من أهل الهجرة الأولى إلى الحبشة، ولما عادا توفي زوجها وتركها امرأة تحتاج هي وبنوها إلى من يرعاهم.

الزوجة الثانية: عائشة بنت أبى بكر الذي يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن من آمن الناس علىّ في ماله وصحبته أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام"، ومعروف من هو أبو بكر الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم متحدثاً عن عطائه للدعوة " ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مال أبى بكر "، وأم عائشة هي أم رومان بنت عامر الكناني من الصحابيات الجليلات، ولما توفيت نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبرها واستغفر لها وقال: "اللهم لم يخف عليك ما لقيت أم رومان فيك وفي رسولك صلى الله عليه وسلم" .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بفتاة بينه وبينها قرابة خمسين عامًا ليس بدعا ولا غريبًا؛ لأن هذا الأمر كان مألوفًا في ذلك المجتمع، لكن المستشرقين جعلوا من هذا الزواج اتهامًا للرسول وتشهيرًا به بأنه رجل شهواني، عامدين إلى تجاهل ما كان واقعًا في ذلك المجتمع من زواج الكبار بالصغيرات كما في هذه النماذج:

- فقد تزوج عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم من هالة بنت عم آمنة التي تزوجها أصغر أبنائه عبد الله ـ والد الرسول صلى الله عليه وسلم.

- وتزوج عمر بن الخطاب ابنة على بن أبى طالب وهو أكبر سنًّا من أبيها.

- وعرض عمر على أبى بكر أن يتزوج ابنته الشابة " حفصة " وبينهما من فارق السن مثل الذي بين المصطفي صلى الله عليه وسلم وبين " عائشة ".

الزوجة الثالثة: حفصة بنت عمر: توفي عنها زوجها حنيس بن حذافة السهمي بعد جراحة أصابته في غزوة أُحد حيث فارق الحياة، وأصبحت حفصة بنت عمر بن الخطاب أرملة وهي شابة، وكان ترمّلها مثار ألم دائم لأبيها عمر بن الخطاب الذي كان يحزنه أن يرى جمال ابنته وحيويتها تخبو يومًا بعد يوم، وبمشاعر الأبوة الحانية وطبيعة المجتمع الذي لا يتردد فيه الرجل من أن يخطب لابنته من يراه أهلاً لها، وبهذه المشاعر تحدث عمر إلى الصديق " أبى بكر " يعرض عليه الزواج من حفصة، لكن أبا بكر يلتزم الصمت ولا يرد بالإيجاب أو بالسلب، فيتركه عمر ويمضى إلى ذي النورين عثمان بن عفان فيعرض عليه الزواج من حفصة، فيفاجئه عثمان بالرفض، فتضيق به الدنيا، ويمضى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يخبره بما حدث، فيكون رد الرسول صلى الله عليه وسلم عليه هو قوله:" يتزوج حفصةَ خيرٌ من عثمان، ويتزوج عثمان خيرًا من حفصة".

وأدركها عمر t بفطرته إذ معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما استشعره عمر هو أن من سيتزوج ابنته حفصة هو الرسول نفسه، وسيتزوج عثمان إحدى بنات الرسول صلى الله عليه وسلم، وانطلق عمر إلى حفصة والدنيا لا تكاد تسعه من الفرحة وارتياح القلب إلى أن الله قد فرّج كرب ابنته.

الزوجة الرابعة: أم سلمة بنت زاد الراكب: من المهاجرين الأولين إلى الحبشة وكان زوجها (أبو سلمة) عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، جاءت إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم كزوجة بعد وفاة " أم المساكين زينب بنت خزيمة الهلالية " بزمن غير قصير.

وهي من بيت كريم، فأبوها أحد أجواد قريش المعروفين بلقب زاد الراكب؛ إذ كان لا يرافقه أحد في سفر إلا كفاه زاده.

وزوجها الذي مات عنها صحابي من بني مخزوم ابن عمة المصطفي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة ذو الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وكانت هي وزوجها من السابقين إلى الإسلام، وكانت هجرتهما إلى المدينة معًا، وقد حدث لها ولطفلها أحداث أليمة ومثيرة ذكرتها كتب السير.

الزوجة الخامسة: زينب بنت جحش: قالت عائشة رضي الله عنها:" لم أرَ امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله وأصدق حديثًا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد تبديلا إلا لنفسها في العمل الذي تتصدق وتتقرب به إلى الله عز وجل"[رواه مسلم].

أما المبطلون الحاقدون من بعض أهل الكتاب فقالوا: أُعْجِب صلى الله عليه وسلم ـ وحاشا له - بزوجة متبناه " زيد بن حارثة " فطلقها منه وتزوجها.

ويرد الدكتور هيكل على هذا فيقول:" إنها شهوة التبشير المكشوف تارة والتبشير باسم العلم تارة أخرى، والخصومة القديمة للإسلام تأصلت في النفوس منذ الحروب الصليبية هي التي تملى على هؤلاء جميعًا ما يكتبون"[حياة محمد، ص 29].

والحق الذي كنا نود أن يلتفت إليه المبطلون الحاقدون على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم، هو أن زواج محمد صلى الله عليه وسلم من زوجة ابنه بالتبني زيد بن حارثة إنما كان لحكمة تشريعية أرادها الإسلام لإبطال هذه العادة ـ عادة التبني ـ التي هي في الحقيقة تزييف لحقائق الأمور كان لها في واقع الناس والحياة آثار غير حميدة.

وتجدر الإشارة هنا إلى مجموعة الآيات القرآنية التي جاءت إعلاناً عن هذا الحكم المخالف لعادات الجاهلية، وتفسيرًا للتشريع الجديد في هذه ـ المسألة، وفي موضوع الزواج بزينب حيث تقول: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين}[الأحزاب: 40]، وقال تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } [الأحزاب: 5]، وقال تعالى:{ وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولاً}[الأحزاب: 37].

ومن هنا نقول: إن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من زينب كان أمرًا من قدر الله وإرادته لإبطال عادة التبني من خلال تشريع يتردد صداه بأقوى قوة في المجتمع الجاهلي الذي كانت عادة التبني أصلاً من أصوله وتقليدًا مستقرًا فيه، فكان السبيل لإبطالها أن يتم التغيير في بيت النبوة وعلى يد الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم.

الزوجة السادسة: جويرية بنت الحارث الخزاعية: امرأة عظيمة ذات بركة على قومها، فقد أعتق الرسول صلى الله عليه وسلم بعد زواجه بها أهل مائة بيت من بني المصطلق، كانت ممن وقع في الأسر بعد هزيمة بني المصطلق من اليهود في الغزوة المسماة باسمهم، وكاتبها من وقعت في أسره على مال فذهبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لها: "أو خير من ذلك؟ قالت: وما هو؟ قال: أقضى عنك كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت"[رواه البخاري].

وذاع الخبر بين المسلمين أن رسول صلى الله عليه وسلم قد تزوج بنت الحارث بن ضرار زعيم بني المصطلق وقائدهم في هذه الغزوة، معنى هذا أن جميع من بأيديهم من أسرى بني المصطلق قد أصبحوا بعد هذا الزواج كأنهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأطلق المسلمون كل من بأيديهم من أسرى بني المصطلق وهم يقولون: أصهار رسول الله، فلا نبقيهم أسرى.

وقد توفيت في دولة بنى أمية وصلى عليها عبد الملك بن مروان وهي في السبعين من العمر رضي الله عنها.

الزوجة السابعة: صفية بنت حُيىّ عقيلة بنى النضير: إحدى السبايا اللاتي وقعن في الأسر بعد هزيمة يهود بني النضير أمام المسلمين في الوقعة المسماة بهذا الاسم، كانت من نصيب النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها، فماذا في ذلك؟! ولم يكن عتقه إياها وتزوجها بدعًا في ذلك؛ وإنما كان موقفًا إنسانيا يعبر عنها السلوك النبيل بالعفو عند المقدرة، والرحمة والرفق بمن أوقعتهن ظروف الهزيمة في الحرب في حالة الاستضعاف والمذلة، لا سيما وقد أسلمن وحسن إسلامهن.

فقد فعل ذلك مع "صفية بنت حُيىّ" بنت الحارس عقيلة بني النضير أمام المسلمين في الموقعة المعروفة باسم (غزوة بني قريظة) بعد انهزام الأحزاب وردّهم مدحورين من وقعة الخندق.

الزوجة الثامنة: أم حبيبة بنت أبى سفيان "رملة" بنت أبى سفيان كبير مشركي مكة، وأشد أهلها خصومة للنبي صلى الله عليه وسلم.

كانت زوجًا لعبيد الله بن جحش وخرجا معًا مهاجرين بإسلامهما في الهجرة الأولى إلى الحبشة، لكن أم حبيبة بنت أبى سفيان كانت وحدها التي تعرضت لمحنة قاسية لم يتعرض لمثلها أحد من هؤلاء المهاجرين الأوائل إلى الحبشة؛ ذلك أن زوجها عبيد الله بن جحش قد أعلن ارتداده عن الإسلام ودخوله في النصرانية، وما أصعب وأدق حال امرأة باتت في محنة مضاعفة محنتها في زوجها الذي ارتد، ومحنتها السابقة مع أبيها الذي فارقته مغاضبة إياه في مكة منذ دخلت في الإسلام، وفوق هاتين المحنتين كانت محنة الاغتراب حيث لا أهل ولا وطن، ثم كانت محنة حملها بالوليدة التي كانت تنتظرها والتي رزقت بها من بعد وأسمتها "حبيبة"، لكن رعاية الله، ثم عين محمد صلى الله عليه وسلم سخرت لها من لطف الرعاية وسخائها ما يسّر العين ويهون الخطب، وعادت بنت أبى سفيان تحمل كنية جديدة، وبدل أن كانت " أم حبيبة " أصبحت " أم المؤمنين " وزوج سيد المسلمين صلى الله عليه وسلم.

وكانت خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة بنت أبى سفيان نعم الإنقاذ والنجدة لهذه المسلمة المبتلاة في الغربة؛ عوضتها عن الزوج الخائن برعاية سيد البشر صلى الله عليه وسلم؛ وعوضتها عن غضب الأب "أبى سفيان" برعاية الزوج الحاني الكريم صلوات الله عليه، كما كانت هذه الخطبة في مردودها السياسي ضربة لأبى سفيان بن حرب الذي كان تعقيبه على زواج محمد لابنته هو قوله: "إن هذا الفحل لا يجدع أنفه"؛ كناية عن الاعتراف بأن محمدًا لن تنال منه الأيام ولن يقوى أهل مكة على هزيمته.

الزوجة التاسعة: ميمونة بنت الحارث الهلالية، أرملة، توفي عنها زوجها أبو رهم بن عبد العزّى العامري؛ فانتهت ولاية أمرها إلى زوج أختها العباس الذي زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث بنى بها الرسول في " سرف " قرب " التنعيم" على مقربة من مكة حيث يكون بدء الإحرام للمعتمرين من أهل مكة والمقيمين بها.

وقيل: إنه لما جاءها الخاطب بالبشرى قفزت من فوق بعيرها وقالت: البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبي، والتي نزل فيها قوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين}[الأحزاب: 50]، كانت آخر أمهات المؤمنين وآخر زوجاته صلى الله عليه وسلم.

وخلاصة القول: إن الذي يطالع السيرة النبوية سوف يكتشف بسهولة أن هذه الزيجات كانت لحكم كثيرة منها:

أولاً: تخريج بعض معلمات للنساء يعلمهن الأحكام الشرعية التي فرضت عليهن.

فقد كانت المرأة تأتي إلى السيدة عائشة في الظلام لتسألها عن بعض أمور الدين، وعن أحكام الحيض والنفاس والجنابة وغيرها من الأحكام، فكان نساء الرسول خير معلمات وموجهات لهن، وعن طريقهن تفقه النساء في دين الله.

ثانيًا: إبطال بعض العادات الجاهلية المستنكرة، ونضرب لذلك مثلاً: بدعة التبني التي كان يفعلها العرب قبل الإسلام فقد كانت دينًا متوارثًا عندهم، يتبني أحدهم ولدًا ليس من صلبه ويجعله في حكم ولده، ويتخذه ابنًا حقيقيًا له حكم الأبناء من النسب في جميع الأحوال .

ثالثًا: كان لزواج النبي صلى الله عليه وسلم من ابنتي  الصديق والفاروق وسيلة وسببًا للربط الاجتماعيي بين البطون والعشائر والقبائل عن طريق هذا النسب والمصاهرة مما جعل هذه القبائل تلتف حول الرسول صلى الله عليه وسلم وتناصره وتؤيده.

ويدخل في هذا الحكم زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق التي وقعت أسيرة مع قومها، وعندما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم أعتق المسلمون أهلها؛ لأنهم صاروا أصهارًا للنبي صلى الله عليه وسلم .

أيضًا تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة صفية بنت حيي بن أخطب التي أسرت بعد قتل زوجها في غزوة خيبر، ووقعت في سهم بعض المسلمين، فقال أهل الرأي والمشورة: هذه سيدة بني قريظة لا تصلح إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرضوا الأمر على الرسول الكريم، فدعاها وخيرها بين أمرين: إما أن يعتقها ويتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم فتكون زوجة له، وإما أن يطلق سراحها فتلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجة له، وذلك لما رأته من جلالة قدره وعظمته وحسن معاملته، وقد أسلمت وأسلم بإسلامها عدد من الناس .