أنت هنا

responses

فقه المصريين في إبطال الطلاق الشفوي للمتزوجين بالوثائق الرسمية
س:
ج:

 

فقه المصريين

في

إبطال الطلاق الشفوي

للمتزوجين بالوثائق الرسمية

دراسة فقهية مقارنة

تأليف

دكتور سعد الدين هلالي

أستاذ الفقه المقارن جامعة الأزهر

1436هـ -2015 م

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الكتاب وخطته

أولًا: مقدمة الكتاب

فقه المصريين هو فهمهم واستيعابهم لفتاوى المجتهدين المختلفة وانتقاؤهم للفتوى التي تطمئن قلوبهم وتستريح إليها نفوسهم. ولأن المصريين أصحاب حضارات تراكمية ممتدة في جذور التاريخ لآلاف السنين فقد استقلوا بالاختيار الفقهي في أمور دينهم ولم يستسلموا لأوصياء الدين الذين يفرضون أنفسهم على العامة للسطو على حقهم الديني في استفتاء القلب.

***

وقد نشرت في جريدة "أخبار اليوم" في عددها الأسبوعي لمدة عام تقريبًا (2011) تحت عنوان "فقه المصريين"، واستكملته في جريدة "اليوم السابع" أسبوعيًا لمدة عامين تقريبًا (2013-2015) بنفس العنوان الذي تناولت فيه عشرات المسائل الفقهية والقضايا الدينية التي برزت فيها الشخصية المصرية المستقلة وكان آخرها قضية "الطلاق الشفوي" التي أثارت انتباه كثير من المخلصين لأبناء وطنهم والغيورين على دينهم أن يظهروه متجددًا ومسايرًا لأدوات التطور في ظل مقاصده الشرعية الخالدة، فطالبوني بإفراد قضية الطلاق الشفوي في كتاب؛ لإنقاذ الأسر التي تفككها فتاوى أوصياء الدين المتجمدة بالفقه المتجدد الذي يحقق مقاصد الشرع في حماية الأسر بأدوات العصر، فكان هذا الكتاب من فقه المصريين في إبطال الطلاق الشفوي للمتزوجين بالوثائق الرسمية.

*****

ويؤسفني ونحن أمة "إقرأ" وجيل "لعلهم يفقهون"، "ولعلهم يتفكرون"، و"لعلكم تعقلون" أن أرى المسلمين خارج مصر وبعض أهلها حيارى في قضاياهم الدينية بين قناعاتهم المنطقية التي تساير حضارتهم وزمنهم وبين فتاوى الصائلين المتجمدة منذ عصور فاتت حضارتها وأقل ما يوصف أصحابها أنهم غائبون عن واقعهم وموهومون قيدهم على ذمة الماضيين، فلا هم معنا في زمننا فكرًا، ولا هم مع السابقين في زمنهم عرفًا، وبذلك خرجوا من التاريخ، ومع ذلك فكثير من المسلمين ينساقون وراء فتاواهم بغير قناعة أو طمأنينة قلب لمجرد إيهام هؤلاء الصائلين بالكذب بأنهم أوصياء الدين وحماته وحراس العقيدة. وأول دليل على كذبهم هو أن حماية الدين وحراسة العقيدة لا يعني إلزام الآخرين بغير قناعتهم، وإنما يعني تمكين كل مكلف من اختيار دينه وعدم محاسبته في الدنيا على عقيدته، فالحساب أو المؤاخذة تكون على التصرفات الماسة بحقوق الآدميين ولا تكون في حقوق الله بالدين الذي اختصه الله لنفسه، فكل من يزعم نذر نفسه لحماية نمط دين معين أو فرض نموذج لعقيدة معينة مفتئت على الله، ولن يغنيه زعمه هذا يوم القيامة شيئًا فسوف يحاسب كسائر الخلق، ومما يزيد عليه في حساب الآخرة تلك الوظيفة التي اختلقها افتراءًا على الله وهي الوصاية الدينية على الناس بزعم حماية الدين وحراسة العقيدة، وكان عليه أن يلتزم بحدود الشرع الآمر بتعليم علوم الدين وبيان فقهه المتعدد ليستقل كل مكلف بقناعته التي يحب أن يرى الله عليها، والذي فوض كل إنسان في الدنيا بحكم كرامته المقضية أن يحمي دينه لنفسه، وأن يحرس عقيدته في قلبه؛ كما قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم تعملون" (المائدة:105). وليتذكر هؤلاء الأوصياء ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حين أنزل قوله تعالى: "وأنذر عشيرتك الأقربين" (الشعراء:214) قال: "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا. وياصفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا".

***

لقد أرسل الله سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم بدين الحق ليظهره على الدين كله ليس بالوصاية الدينية ولو كان أهلها كبار الصحابة والتابعين وأهل الذكر؛ لأن الله تعالى لم يرض بتلك الوصاية لسيد الخلق وخاتم رسله، فقال سبحانه: "ما على الرسول إلا البلاغ" (المائدة:99) وقال سبحانه: "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر" (الغاشية:21-22) وقال سبحانه: "إن أنت إلا نذير" (فاطر:23). وإنما سيظهر الله تعالى دينه الحق عندما يتم تكريم البشر جميعًا بتمكين كل إنسان من اختيار دينه ومذهبه والارتقاء بهذا الاختيار على الوجه الذي يرتضي لقاء ربه عليه بحسب إمكاناته العقلية في ظل المعلومات المتاحة وبدون تغرير أو تدليس؛ كما قال تعالى: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة" (يوسف:108)، يعني على بينة واستنارة بكل معلومة سليمة. وما على المسلم في الآخرة إن كان قد أخطأ الاجتهاد في الدنيا؛ كما قال تعالى: "وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم" (الأحزاب:5). فالأوصياء والوسطاء بين الله وبين عباده يمتنعون كما قال تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون" (البقرة:186). وعلى أوصياء الدين الموهومين بأنهم حماة الدين وحراس العقيدة أن يدركوا أنفسهم قبل فوات الأوان ليتحولوا إلى مدرسين أوأساتذة علميين أمناء في تعليم الناس وإبلاغهم كل ما يسمى علمًا ولو كان على غير هواهم؛ لقوله تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" (النحل:44)، وقوله تعالى: "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه" (آل عمران:187)، وما أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة".

***

وكان أوصياء الدين قد ساقوا الناس بفتاواهم التي صدروها على أنها الصواب المطلق كذبًا في عصور ظلامية إبان الاحتلال العثماني الذي تزعمه المغامر التركي عثمان بن أرطغل، وعندما تمكن له الاستيلاء على أكثر البلاد العربية التي كانت في ظل الخلافة العباسية بأمير قرشي أعلن هذا العثمان الأرطغلي نفسه سلطانًا على خلافة أسماها باسمه وهي الخلافة العثمانية سنة 699هـ الموافق 1299م على أن يظل الحكم له ولذريته من بعده بالتوازي مع الخلافة العباسية التي بقيت حتى سنة 750هـ، واستمرت مصر عصية على هذا الاحتلال حتى استطاع السلطان سليم الأول أن يضمها للعثمانيين سنة 923هـ الموافق 1517م إلى أن أعلنت الخلافة العثمانية اسقاط نفسها وانهيارها رسميًا سنة 1343هـ الموافق سنة 1924م. ويحاول أذناب العثمانيين الأتراك منذ إفلاسهم السياسي سنة 1924م أن يعيدوا عصورهم الظلامية بنفس سلاحهم القديم الفاسد وهو الوصاية الدينية وإدارة شئون الناس بالفتاوى الانتقائية التي تحقق للأوصياء هدفهم من السيطرة على الناس وإعادة ملك خلافتهم الساقطة باسم الدين أو باسم الإسلام. وإذا كان هؤلاء الأوصياء وأذنابهم قد نجحوا في جولة بتغرير الناس والتدليس عليهم حتى سرقوا ملكهم قرون عديدة فقد آن الآوان لعامة الناس أن يستردوا سيادتهم على أنفسهم عملًا بما أخرجه ابن عدي في "الكامل" بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل بني آدم سيد"، وما أخرجه أحمد بسند حسن عن وابصة بن معبد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "استفت قلبك. البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك".

***

إن الدرس الأول الذي يلقنه عامة الناس أصحاب السيادة بالإسلام وأصحاب الكرامة بالقرآن لأوصياء الدين هو أمرهم برفع أيديهم عن الناس حتى يكونوا كآحادهم سواسية، أو تحميلهم مسئولية الفتن الدينية التي دونها الرقاب كما قال تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" (الأنفال:39)، وقوله تعالى: "إن الحكم إلا لله" (الأنعام:57). وما كان لله تعالى كالدين والحاكمية فإنه يكون في الدنيا لكل أحد مثل ما لصاحبه حتى لا يتفرق الناس بسببه كما قال تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" (الشورى:63). فالتعددية الدينية ستقطع السبيل أمام الفتنة الدينية؛ عملًا بقوله تعالى: "لكم دينكم ولي دين" (الكافرون:6). والتعددية الفقهية ستقطع السبيل أمام فتنة الفتاوى؛ عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "استفت نفسك استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك"، كما أخرجه أحمد من حديث وابصة. والتعددية في الأحزاب السياسية ستقطع السبيل أمام فتنة حاكمية الله؛ عملًا بقوله تعالى: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" (النساء:105)، وبما أخرجه مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي أميره فيقول: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك - أي أنت - فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا".

*****

ولعل ما قدمناه كافيًا لإرجاع ثقة عوام المسلمين في أنفسهم، واستردادهم حقهم الديني المنهوب من استقلال كل عاقل رشيد بالفتيا لنفسه إما بالاستنباط المباشر من الأدلة الشرعية إن غلب على ظنه قدرته العلمية على ذلك، وإما بالاختيار الفقهي من مجموع اجتهادات الفقهاء المتعددة بمعيار المصلحة أو بمعيار التيسير أو بمعيار الأحوط أو بأي معيار يطمئن قلب صاحبه بعد امتناع أوصياء الدين من العبث بعقول الناس، ومن ذلك قولهم العبرة بقول الجمهور. قال ابن حزم في "المحلى": "ما أمر الله تعالى قط ولا رسوله باتباع الجمهور لا في آية ولا في خبر صحيح".

***

ومن أهم الفتاوى المتجمدة التي توقف فيها عقل أوصياء الدين عند زمن ما قبل الأول من أغسطس سنة 1931م عندما صدرت لائحة ترتيب المحاكم الشرعية بالمرسوم بقانون رقم 78 والذي ينص في مادته رقم (17) على أنه: "لا تقبل عند الإنكار الدعاوى الناشئة عن عقد الزواج  في الوقائع اللاحقة على أول أغسطس سنة 1931م ما لم يكن الزواج ثابتًا بوثيقة رسمية"، هي الفتوى بوقوع الطلاق الشفوي على الزوجة الموثق عقد زواجها رسميًا في سجلات الدولة حتى تاريخ الناس اليوم، فمع أن الزوجين قد استدعيا مندوب الدولة باختيارهما، وتوجهت إرادتهما إلى توثيق العصمة رسميًا بما يجعلهما على بينة من أمرهما، وأن الزوجة في ظل هذا التوثيق لا تملك في القضاء الشرعي أمر نفسها ولا تبدأ عدة الطلاق إلا من يوم تحرير طلاقها رسميًا، كما أن الزوج لا يملك في القضاء الشرعي الزواج بخامسة وعلى ذمته رسميًا أربع نسوة حتى ولو زعم طلاقهن شفويًا، وكأن الزوج بتوثيقه لعقد زواجه رسميًا قد اشترط على نفسه أن لا يحدث طلاقًا شرعيًا إلا بالتوثيق الرسمي مما يجعل طلاقه الشفوي لغوًا؛ عملًا بما أخرجه البخاري عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج"؛ خاصة وأن تعريف الطلاق عند الفقهاء هو "حل رباط الزوجية بلفظ الطلاق ونحوه" وليس مجرد التلفظ بالطلاق. وهذا ما كانت المادة (17) من المرسوم بقانون رقم (78) لسنة 1931م تهدف إليه، ولذلك صدر فيما بعد القانون رقم 100 لسنة 1985م المعدل للقانون رقم 25 لسنة 1929م بشأن بعض أحكام الأحوال الشخصية، وأضاف المادة الخامسة مكرر والتي تنص أنه: "على المطلق أن يوثق إشهاد طلاقه لدى الموثق المختص خلال ثلاثين يومًا من إيقاع الطلاق ... وتترتب آثار الطلاق من تاريخ إيقاعه إلا إذا أخفاه الزوج عن الزوجة فلا تترتب آثاره من حيث الميراث والحقوق المالية الأخرى إلا من تاريخ علمها به".

وقد كان الناس قديمًا قبل الأول من أغسطس سنة 1931م يبرمون عقد الزواج شفويًا فكان المنطق الطبيعي أن يتم حل هذا الرباط بلفظ الطلاق الشفوي على وضع معتبر. أما بعد توثيق الناس لعقود زواجهم رسميًا فإن طلاقهم يجب أن لا يتم إلا بالتوثيق الرسمي لأنه السبيل الوحيد لحل رباط الزوجية الرسمي.

***

ومع هذا الوضوح الفقهي في عدم الاعتداد بالطلاق الشفوي للمتزوجين رسميًا إلا أن أوصياء الدين يشاغبون بتشكيك عامة الناس في عقولهم السوية وفي منطقهم السليم وفي قلوبهم المؤمنة بإيهامهم أن الطلاق الشفوي كان هو المعوّل عليه في حل رباط الزوجية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، متجاهلين أن الزواج كان كذلك شفويًا. أما وقد اختار الإنسان الانتفاع بحضارة عصره من توثيق الزواج الذي يضبط العلائق في المجتمع ويضمن حقوق الأطراف ذات العلاقة عملًا بقوله تعالى: "إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه" (البقرة:282)، فكان المنطق الطبيعي أن يتبع الطلاق نظام الزواج، فالزواج الشفوي يكون الطلاق فيه شفويًا، والزواج الرسمي يكون الطلاق فيه رسميًا.

***

وعندما اصطلى أوصياء الدين وأقاربهم بنار فتواهم المتجمدة منذ زمن ما قبل الأول من أغسطس سنة 1931م والتي تقضي باحتساب الطلاق الشفوي شرعًا للمتزوجين رسميًا اضطروا إلى الركوع أمام التعددية الفقهية وانتقاء الفتاوى التي تهدر الطلاق الشفوي من كل مذهب ولو انفرد بها فقيه واحد مثل الحكم بعدم احتساب الطلاق الشفوي الصريح إذا وقع بصفة البدعة كالطلاق في قترة حيض الزوجة أو في طهرها الذي مسها زوجها فيه؛ عملًا  بمذهب الظاهرية واختيار ابن تيمية وابن القيم، ومثل احتساب الطلاق المعلق يمينًا عند احتماله يوجب كفارة اليمين بالحنث فيه (إطعام عشرة مساكين أو كسوتهن أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) ولا يرتب طلاقًا، وهو قول انفرد به ابن تيمية، وغير ذلك من فتاوى كانوا يحكمون عليها من قبل بالشذوذ والضعف خضعوا إليها مؤخرًا بدون استحياء بدعوى إنقاذ الأسرة من التفكك بسبب كثرة ألفاظ الطلاق حتى يجدوا المبرر لفتواهم المتجمدة باحتساب الطلاق الشفوي للمتزوجين رسميًا، وفي إمكانهم أن يعودوا إلى زمنهم الذي هجروه وحضارتهم التي لم يجددوا دينهم فيها ليعلنوا طمأنة المسلمين الذين اختاروا نظام التوثيق لزواجهم أنه لا طلاق لهم إلا بمثل نظام الزواج من التوثيق إذا أرادوا التوبة من جناية الوصاية الدينية.

*****

وكان الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الجامع الأزهر (ت1996) قد تقدم بمذكرة علمية إلى مجمع البحوث الإسلامية آملًا صدور قراره بعدم احتساب الطلاق الشفوي للمتزوجين رسميًا إلا أن صوت الأوصياء كان هو الأقوى، كما نبين ذلك في موضعه من هذا الكتاب الذي نقدمه حسبة لله تعالى في بيان إبطال الطلاق الشفوي للمتزوجين بالوثائق الرسمية، كمساهمة فقهية في حفظ كرامة الإنسان وحرمة أسراره وصون أسرته، فكم من تتابعات مهينة تقع بسبب الفتوى المتجمدة بوقوع الطلاق الشفوي للمتزوجين رسميًا أدناها إفشاء تاريخ العلاقة الزوجية السابقة للطلاق الشفوي للوصي الديني حتى يتفضل على الزوجين بإفتائهما بمذهب الظاهرية ومن وافقهم بعدم وقوع الطلاق البدعي، وأعلاها الفتوى بالمحلل والذي قد يتطوع الوصي الديني بترشيحه إذا كانت الطلقة ثالثة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبالطبع تكون فتوى هذا الوصي الديني بما عليه جمهور الفقهاء من وجوب دخول المحلل استدلالًا بما أخرجه الشيخان عن عائشة أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". وإن كان من حق صاحب الشأن أن يتبع اجتهاد سعيد بن المسيب (13-94هـ) التابعي القرشي وأحد فقهاء المدينة السبعة والذي يرى جواز أن ترجع المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول بعقد جديد إذا عقد عليها آخر وطلقها قبل الدخول؛ لعموم قوله تعالى: "حتى تنكح زوجًا غيره" (البقرة:230). قال: "والنكاح ينطلق على العقد"، كما حكاه ابن رشد (ت595هـ) في "بداية المجتهد".

ثانيًا: خطة الكتاب

 قسمت هذا الكتاب إلى أربعة فصول كما يلي:

الفصل الأول: تعريف الطلاق الشفوي وتأصيله التاريخي. وفيه مبحثان

المبحث الأول: تعريف الطلاق الشفوي

المبحث الثاني: التأصيل التاريخي لقضية الطلاق الشفوي

الفصل الثاني: التعريف بالطلاق وبيان أحكامه العامة. وفيه ثلاثة مباحث

المبحث الأول: ماهية الطلاق وأثره الشرعي بالعدة

المبحث الثاني: أداة الطلاق أو صورته في الخارج (صيغته)

المبحث الثالث: مقصود الطلاق والحكمة من مشروعيته

الفصل الثالث: أصول وقوع الطلاق. وفيه عشرة مباحث

المبحث الأول: الطلاق بغير صيغة التنجيز (المضاف والمعلق)

المبحث الثاني: الطلاق بغير نيته

المبحث الثالث: الطلاق بالتوكيل أو بالتفويض

المبحث الرابع: طلاق الفضولي

المبحث الخامس: الطلاق بغير الإشهاد

المبحث السادس: طلاق الغضبان

المبحث السابع: طلاق المكره

المبحث الثامن: طلاق السكران

المبحث التاسع: الطلاق بلفظ الثلاث

المبحث العاشر: الطلاق البدعي

الفصل الرابع: مدى مشروعية إضافة شرط التوثيق الرسمي لصحة الطلاق واختيار المصريين لحكم الطلاق الشفوي، والمقترح إلى المشرع المصري

وإنني امتثل قول الله تعالى: "إن أريد إلا الإصلاح إن استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" (هود:88).

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

27-7 2015م                                                             دكتور سعد الدين هلالي

أستاذ الفقه المقارن - جامعة الأزهر

 

الفصل الأول

تعريف الطلاق الشفوي وتأصيله التاريخي

أولًا: تعريف الطلاق الشفوي

المقصود بالطلاق الشفوي أو الشفهي هو التلفظ به عن طريق الشفتين من الإنسان وهما طبقا الفم دون تحرير هذا الطلاق في وثيقة رسمية، فهو نسبة إلى الشفة - بفتح الشين مشددة - على وزن فعة، فهي منقوصة بحذف اللام. أما التاء المربوطة في الشفة فهي تاء التأنيث. واختلفوا في أصل هذه اللام على قولين. أحدهما: أن الناقص من الشفة واو. فأصل الكلمة: شفوة؛ لأنه يقال في الجمع شفوات بالواو مثل سنوات. الثاني: أن الناقص من الشفة هاء. فأصل الكلمة شفهة؛ لأن تصغيرها شفيهة وجمعها شفاه بالهاء. قال ابن منظور في "لسان العرب": والهاء أقيس والواو أعم.

ثانيًا: التأصيل التاريخي لقضية الطلاق الشفوي

بدأت قضية "الطلاق الشفوي" تظهر كمشكلة فقهية في مقابلة "الطلاق الرسمي" لأول مرة في تاريخ المصريين منذ أكثر من ثمانين عامًا من يومنا هذا، وبالتحديد اعتبارًا من أول أغسطس سنة 1931م، عندما صدرت لائحة ترتيب المحاكم الشرعية بالمرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931م، والذي ينص في مادته رقم (17) على أنه: "لا تقبل عند الإنكار الدعاوى الناشئة عن عقد الزواج في الوقائع اللاحقة على أول أغسطس سنة 1931م ما لم يكن الزواج ثابتًا بوثيقة رسمية".

وكانت الدولة المصرية قد تدرجت بالرفق على رعاياها المواطنين للأخذ بأيديهم إلى نظام توثيق عقود زواجهم وطلاقهم كتطور طبيعي للدولة الحضارية التي تجدد نفسها بحسب التراكم المعرفي للأجيال السابقة، فقد بدأ التعليم ينشط بين المصريين بمطلع القرن العشرين الميلادي، ويكثر عدد الذين يجيدون القراءة والكتابة بحسب قواعد الإملاء الصحيحة وقواعد الخطوط العربية السليمة، وذلك في ظل عودة المبتعثين من خيرة شباب المصريين الذين أوفدوا إلى فرنسا وبعض الدول الأوربية لتحصيل فنون القانون والإدارة والسياسة، ووجدوا في تلك الدول انضباطًا للمعاملات بتحرير عقود رسمية في التصرفات ذات الأثر لقراءة أحوال المجتمع وحركته بما يساعد متخذي القرار على الارتقاء بالمستوى العام للمواطنين عن طريق علم الاحصاء البياني لأعداد المتزوجين والمنفصلين والعزاب، كما تفيد تلك العقود الرسمية أطراف التعاقد لاشتمالها على شروط المتعاقدين بحسب تراضيهم ورؤيتهم المستقبلية لمآل عقودهم؛ حتى يكون أطراف التعاقد هم أسياد أنفسهم في آثار عقودهم دون تدخل طرف ثالث بينهم ولو كان هذا الطرف هو القاضي، وحتى يلتزم أطراف التعاقد بما وقع الاتفاق عليه فلا يظلم أحد المتعاقدين صاحبه بدعوى النسيان أو بعدوان الظلم والإنكار. وكانت عقود الزواج والطلاق في مصر تبرم بالمشافهة، ويقع الزوجان في خطر التزامهما بالأمانة والمروءة أخلاقيًا؛ لعدم وجود ما يلزمهما توثيقيًا، كما كان يكثر النزاع بين الزوجين بسبب ممارسة أحدهما شيئًا لم يحسم عند إبرام عقد الزواج فيرفضه الآخر مثل عمل الزوجة واحتفاظها بدخلها، ومثل الزواج الثاني للزوج على زوجته، وعدم إنفاق الزوج على علاج زوجته أو سفرها لصلة رحمها، وغير ذلك مما يستلزم تدخل أطراف التحكيم أو القضاء للفصل في تلك النزاعات. فلو أن الزوجين قد أثبتا في عقد زواجهما رؤيتهما عن تراض لما عساه أن يكون مثارًا للنزاع بينهما لقل احتياجهما إلى طرف ثالث لفض نزاعاتهما المعيشية.

ومن هنا كانت فكرة تحرير عقود الزواج والطلاق، وظهرت وظيفة جديدة في المجتمع المصري يتكسب منها أصحابها هي وظيفة المأذونين التي بدأت سنة 1890م عندما صرحت المحاكم الشرعية لهم بتحرير عقود الزواج والطلاق عن طريق تصاريح خاصة، ثم صدرت أول لائحة لعمل المأذونين في مصر سنة 1915م.

ولم تتجه الدولة المصرية إلى إلزام مواطنيها قسرًا بتوثيق عقود زواجهم وطلاقهم حتى تأخذ بأيديهم رفقًا إلى التوثيق من باب تحقيقه لمصالحهم وضمانه لحقوقهم. وليس من باب التسلط أو تقييد الحريات، وهذا يتكشف للمواطنين تدريجيًا شيئًا فشيئًا من خلال ما يقع من ظلم أحد الزوجين على صاحبه بسبب عدم توثيقه لعقد زواجه، كهروب الزوج أو إنكاره لعلاقة الزوجية، أو كهروب الزوجة أو زواجها بآخر أو تبليها على زوجها الشفوي باغتصابها، وكغير ذلك مما يحدث بسبب خراب الذمم بحكم الانفتاح الذي لا مفر منه. ولا يستطيع القضاء أن يحسم أكثر تلك النزاعات بسبب شهود الزور الذين يستقوي بهم طرفا الدعوى وبخاصة الظالم منهما، فلو تحررت عقود الزواج والطلاق رسميًا لما استقوى أحد الزوجين على صاحبه بشهود الزور في إثباتها أو نفيها.

ثم توجهت الدولة المصرية إلى سن قانون يمنح الملتزمين بتوثيق عقود زواجهم وطلاقهم ميزة الانتفاع بخدمة التقاضي إلا في إثبات النسب بالزواج المكتوب الذي يحمل إمضاء الزوج؛ مراعاة لحق الأطفال وذلك بالقانون رقم 78 لسنة 1931م. فلم يعد لمن أبرم زواجه من أول أغسطس سنة 1931م بدون توثيق رسمي حق في رفع دعوى قضائية لمقاضاة زوجه الآخر، وجعل ذلك وسيلة ضغط أدبية للمواطنين في توثيق عقود زواجهم وطلاقهم. فالمواطن العنيد الذي يرفض توثيق زواجه لن يتمكن من إرث زوجه الذي مات في حياته وفقًا للنظام القضائي الرسمي، وليس له الحق في مقاضاة زوجه الذي تنكر لمعرفته، ولا تملك الزوجة مقاضاة زوجها الممتنع عن الانفاق عليها لعدم توثيقها لعقد زواجها، ولا يملك الزوج مقاضاة زوجته التي تزوجت بغيره وهي على ذمته في عقد زواج غير موثق؛ حتى يرشد الناس ويدركوا أهمية التوثيق لحياتهم فيمتنعون من تلقاء أنفسهم عن الزواج الشفوي ويلتزمون طوعًا بالزواج الرسمي الموثق الذي يساعد المجتمع على الحضارة مبكرًا. وكان استثناء إثبات النسب في الزواج غير الموثق لمصلحة الطفل الذي لا ذنب له في إهمال والديه بشأن توثيق زواجهما، فتنص المادة السابعة من القانون رقم 78 لسنة 1931م على أنه: "لا تقبل عند الانكار دعوى الاقرار بالنسب أو الشهادة على الاقرار به بعد وفاة المورث إلا إذا وجدت أوراق رسمية أو مكتوبة بخط المتوفى وعليها إمضاؤه".

ثم تفاعلت الدولة المصرية مع واقع شعبها فأصدرت تعديلًا قانونيًا يستثني من منع المتزوجين شفويًا بغير توثيق من حق رفع دعاوى قضائية ناشئة عن هذا الزواج ما لو كان رفع الدعوى لطلب التطليق أو الفسخ لفك أسر الزوجة من رباط الزوجية الديني عند هجر زوجها الشفوي لها، وذلك بعد انتشار ظاهرة الزواج الشفوي غير الموثق بين طلبة وطالبات بعض الجامعات المصرية، فصدر التعديل بالقانون رقم (1) لسنة 2000م والذي حل محل القانون رقم 78 لسنة 1931م بشأن إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية والذي أضاف إلى المادة (17) التي تمنع قبول دعاوى ناشئة عن عقد زواج وقع لاحقًا لأول أغسطس سنة 1931م ما لم يكن الزواج ثابتًا بوثيقة رسمية ما نصه: "ومع ذلك تقبل دعوى التطليق أو الفسخ بحسب الأحوال دون غيرها إذا كان الزواج ثابتًا بأية كتابة".

ونشأ مصطلح "الزواج العرفي" وهو الزواج الشفوي في مقابلة ما عرف "بالزواج الرسمي" المقيد في وثيقة رسمية لأول مرة في مصر اعتبارًا من أول أغسطس سنة 1931م، وهو تاريخ العمل بالقانون رقم 78 لسنة 1931م بشأن لا ئحة ترتيب المحاكم الشرعية، والذي يقضي بعدم نظر الدعاوى الناشئة عن عقد الزواج الواقع لاحقًا من هذا التاريخ إلا أن يكون ثابتًا بوثيقة رسمية. وقد ترتب على صفة الزواج الرسمي بقاء علاقة الزوجية بصفة رسمية إلى أن يثبت عكسها بصفة رسمية، وهذا ما أثار قضية "الطلاق الشفوي" في الفقه الديني.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

التعريف بالطلاق وأحكامه العامة

نبين في هذا الفصل ماهية الطلاق وأثره الشرعي بالعدة، كما نوضح أداته أو صورته بالخارج، ثم نذكر مقصوده والحكمة من مشروعيته، وذلك في ثلاثة مباحث كما يلي.

المبحث الأول

ماهية الطلاق وأثره الشرعي بالعدة

أولًا: ماهية الطلاق أو حقيقته

إن أصول البحث الفقهي عن حكم الطلاق الشفوي للزوجة الموثق عقد زواجها بصفة رسمية عند ولي الأمر المختص يقتضي الوقوف على ماهية الطلاق أو بيان حقيقته للقاعدة الفقهية المنطقية التي تقول "إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، والتصور كما يقول الجرجاني في "التعريفات" هو "حصول صورة الشيء في العقل وإدراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات".

وماهية الشيء كنهه وحقيقته الذهنية. وأصل الماهية أنها جواب عن سؤال ما هو كذا، أو ما هي كذا؟ كما أن الكمية هي الجواب عن سؤال كم كذا؟. فإذا قلنا ما هو الطلاق؟ فإن الجواب عن هذا السؤال يصير ماهية للطلاق. وإذا ثبت هذا الجواب في الخارج فإنه يسمى حقيقة تجعل الشيء هو هو. أما الماهية بمعنى المرتب الشهري فهي كلمة منسوبة إلى "ماه" ومعناها بالفارسية شهر، وتجمع على ماهيات.

والطلاق في اللغة يطلق على الحل ورفع القيد، وهو اسم مصدر يستعمل استعمال المصدر. تقول: طلق تطليقًا فهو طلاق. ويرادفه الإطلاق، وقيل الطلاق يكون للمرأة والإطلاق يكون لغيرها، كما يقال طلقت المرأة وأطلق الأسير. وقد ترتب على هذا الفرق عند بعض اللغويين بين الطلاق وبين الإطلاق اختلاف عند الفقهاء في وقوع الطلاق بلفظ الإطلاق من عدمه.

أما الطلاق في اصطلاح الفقهاء فهو عند الحنفية والمالكية: "رفع قيد النكاح"، وعند الشافعية والحنابلة "حل قيد النكاح". والرفع والحل قريبان؛ لأن الرفع هو الإزالة على وجه لولاه لبقي ثابتًا، نقيض الوضع. والحل هو الانفكاك على وجه لولاه لبقي معقودًا، نقيض الشد. والمقصود بقيد النكاح ملكه وهو الاختصاص الحاجز عن التزويج بزوج آخر، كما ذكر الكاساني ت587هـ في "بدائع الصنائع".

وبهذا يتبين أن حقيقة الطلاق أو ماهيته تقوم على حل رباط الزوجية بعد أن كان معقودًا، فالواجب عند إثبات الطلاق أو الحكم به أن تتحقق إزالة رابطة الزوجية أو عصمتها على وجه يبدأ الزوجان منه ترتيب ما يعتقدان من حكم ديني. فإذا لم يتمكن الزوجان أو أحدهما من الشروع في الأثر المترتب على الطلاق بسبب عدم حدوثه على وجه يرتب أثره فلا يجوز وصفه بالطلاق اصطلاحًا؛ لأن الفقهاء اصطلحوا على تعريف الطلاق بأنه حل رباط الزوجية أو رفعه، وليس مجرد التلفظ به بلفظ مفرغ عن مضمونه لا يحدث رفعًا أو حلًا لرباط الزوجية حقيقة، ولذلك قال الماوردي (ت450هـ) من الشافعية في "الحاوي الكبير"، والمرداوي (ت885هـ) من الحنابلة في "الإنصاف" أنه قيل في تعريف الطلاق: أنه تحريم بعد تحليل كالنكاح تحليل بعد تحريم.

ثانيًا: الأثر الشرعي للطلاق بالعدة

نكتفي ببيان الأثر الشرعي بالعدة للطلاق دون سائر الآثار الأخرى كالمستحقات المالية من المتعة وحلول مؤخر الصداق والإرث بضوابطه، وكذلك المستحقات الإنسانية كالحضانة والرضاع والإحداد؛ لأن الحكم بالعدة يقطع بإزالة قيد النكاح ويثبت حقيقة الطلاق.فإذا قلنا بصحة الطلاق على حقيقته الاصطلاحية وهي "حل قيد النكاح" فإن الشرع يرتب عليه تلقائيًا بحكم الدين الإسلامي الذي يؤمن به أهله ثبوت العدة على المطلقة أو إخلاء سبيلها لتحل للخطاب بدون عدة ودون أن يتوقف هذا الأثر الشرعي على إرادة بشرية. وإذا كان الدين الإسلامي يعلق وقوع الطلاق على إرادة الزوج واختياره فإنه جعل أثر هذا الطلاق بالعدة أو عدمها سماويًا لاستنقاذ الزوجة من التعسف والشح الإنساني.

ويختلف الأثر الشرعي للطلاق لكل من الزوجين وتزداد الزوجة بأحكام العدة أو عدمها باختلاف وضع طلاقها أن يكون قبل الدخول، أو بعد الخلوة، أو بعد الدخول، كما سنوضحه بعد بإذن الله.

أما أثر الطلاق على الزوج فيعطيه الحق الشرعي أن يتزوج بأخت الزوجة ونحوها ممن لا يجوز الجمع بينها وبين زوجته كعمتها وخالتها وخامسة سواها عند أكثر أهل العلم بعد انتهاء مدة عدة مطلقته الرجعية؛ لأن الرجعية في حكم الزوجة. أما إذا كان الطلاق بائنًا بكل صوره فلا يجب على الزوج الانتظار مدة عدة مطلقته البائن عند جمهور الفقهاء خلافًا للحنفية.

والعدة في اللغة مأخوذة من العد والحساب والإحصاء. وهي في اصطلاح الفقهاء تطلق على المدة التي تتربص فيها المرأة ذات الزوج أو من في حكمه قبل زواجها من آخر بعد انتهاء الزواج السابق أو ما في حكمه. والحكمة منها مترددة بين معرفة براءة الرحم، أو الوفاء بالزوج السابق، أو التعبد دينًا.

ونذكر فيما يلي أحكام العدة للمطلقة في أوضاعها الثلاثة (قبل الدخول، أو بعد الخلوة، أو بعد الدخول).

(1)العدة للمطلقة قبل الدخول

أجمع الفقهاء على أنه لا عدة للمطلقة قبل الدخول، فإذا وقع الطلاق اصطلاحًا بانحلال قيد النكاح حقيقة لم يعد للمطلق ولاية شرعية على مطلقته قبل الدخول، وصار لها الحق الشرعي في استقبال الخطاب والزواج بمن تريد منهم؛ لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحًا جميلًا" (الأحزاب:49).

(2)العدة للمطلقة بعد الخلوة

الخلوة في اللغة اسم للمكان الخالي. تقول: خلا الرجل أي وقع في مكان خال. وتقول: خلا الرجل بزوجته وإليها ومعها، أي انفرد بها واجتمع معها في خلوة.

ويرى الحنفية أن الخلوة الصحيحة بالمعقود عليها هي التي لا يكون معها مانع من الوطء سواء كان هذا المانع حقيقيًا كالمرض وصغر السن، أو شرعيًا كالصوم والإحرام، أو طبيعيًا كالطرف الثالث المؤثر أو التواجد في الطريق العام.

ويرى المالكية أن الخلوة الصحيحة بالمعقود عليها هي خلوة الاهتداء من الهدوء والسكون بحيث يسكن كل من الزوجين لصاحبه ويطمئن إليه وتكون بإرخاء الستور أو غلق الباب، ولا يمنع من خلوة الاهتداء الموانع الشرعية كالحيض والصوم والإحرام؛ لتجرؤ الناس على تلك الموانع غالبًا.

ويرى الحنابلة أن الخلوة الصحيحة بالمعقود عليها هي التي لا يكون معها مانع طبعي من الوطء كالطرف الثالث. أما الموانع الشرعية كالحيض والصوم والموانع الحقيقية كالمرض وصغر السن فليس مانعًا من أثر الخلوة الصحيحة.

ويرى الشافعية في الجديد أن الخلوة لا تقوم مقام الدخول في ثبوت العدة أو استكمال المهر.

وقد اختلف الفقهاء في حكم العدة للمطلقة بعد الخلوة الصحيحة بها وقبل إعلان الدخول في عقد الزواج الصحيح على مذهبين في الجملة.

المذهب الأول: يرى وجوب العدة على المطلقة بعد الخلوة بها في عقد الزواج الصحيح. أما في عقد الزواج الفاسد فلا عدة على المرأة إلا بالدخول. وهو مذهب الجمهور قال به الحنفية والمالكية والحنابلة والقديم عند الشافعية. وحجتهم: (1)عموم قوله تعالى: "وقد أفضى بعضكم إلى بعض" (النساء:21). وقد قال الفراء: الإفضاء الخلوة دخل بها أو لم يدخل بها؛ لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء وهو الخالي، فكأنه قال: وقد خلال بعضكم إلى بعض. وبهذا وجبت العدة بالدخول الصحيح؛ احتياطًا لحق الله تعالى. (2)أن الخلوة الصحيحة قد حصل بها تسليم للمرأة نفسها، كما يحصل هذا التسليم بالدخول الشكلي، مع أن هذا الدخول قد لا يرتب دخولًا حقيقيًا ولكنه سبب يفضي إليه، فأقيم الدخول الشكلي مقام الدخول الحقيقي احتياطًا من باب إقامة السبب مقام المسبب فيما يحتاط فيه، فكذلك أقيمت الخلوة الصحيحة مقام الدخول في وجوب العدة.

المذهب الثاني: يرى عدم وجوب العدة على المطلقة بالخلوة بها دون الدخول الحقيقي أو إعلانه. وهو مذهب الشافعية في الجديد والظاهرية. وحجتهم: ظاهر قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها" (الأحزاب:49).

(3)العدة للمطلقة بعد الدخول

أجمع الفقهاء على وجوب العدة للمطلقة بعد الدخول، وهي لا تخرج عن ثلاثة أنواع بحسب حال المرأة، كما يلي.

(أ)العدة بالقروء. وهي للمطلقة التي تحيض، وعددها ثلاثة للحرائر؛ لقوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" (البقرة:228). والقرء لفظ مشترك يطلق على طهر المرأة كما يطلق على حيضها، ولذلك فقد اختلف الفقهاء في المقصود منه في عدة المرأة على مذهبين.

المذهب الأول: يرى أن المراد بالقرء في عدة المرأة الطهر. وهو مذهب الجمهور قال به المالكية والشافعية ورواية للحنابلة ومذهب الظاهرية، وروي عن عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر وغيرهم من السلف. وحجتهم: (1)ما أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم عن ابن عمر، أنه طلق زوجته وهي حائض، فأخبر عمر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء". قالوا: فالرسول صلى الله عليه وسلم أشار إلى الطهر وأخبر أنه العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء، فصح أن القروء هي الأطهار. (2)ما أخرجه مالك في "الموطأ" عن عائشة قالت: "إنما الأقراء الأطهار".

المذهب الثاني: يرى أن المراد بالقرء في عدة المرأة الحيض. وهو مذهب الحنفية والرواية الثانية للحنابلة، وروي عن الخلفاء الأربعة وابن مسعود وغيرهم من السلف. وحجتهم: (1)أن المعهود في لسان الشرع هو استعمال القرء بمعنى الحيض، فقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن أم حبيبة بنت جحش أنها استحيضت فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتظر أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي. كما أخرج أبو داود بسند صحيح عن عروة بن الزبير أن فاطمة بنت أبي حبيش شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم، فقال: "إنما ذلك عرق فانظري إذا أتى قرؤك فلا تصلي فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء". (2)أن العدة شرعت لبراءة الرحم، وهذا يحصل بالحيض لا بالطهر.

(ب)العدة بالأشهر. وهي للمطلقة التي لا تحيض، وعددها ثلاثة أشهر قمرية للحرائر؛ لقوله تعالى: "واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن" (الطلاق:4). قالوا: أي واللائي لم يحضن فعدتهن كذلك ثلاثة أشهر؛ لأن الأشهر هنا بدل الأقراء. والأصل مقدر بثلاثة فكذلك البدل. قالوا وإنما كان الحساب بالأشهر القمرية لعموم قوله تعالى: "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج" (البقرة:189).

(ج)العدة بوضع الحمل. وهي للمطلقة الحامل؛ لقوله تعالى: "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" (الطلاق:4). ولأن القصد الظاهر من العدة هو براءة الرحم، وهذا يحصل بوضع الحمل.

 

 

 

المبحث الثاني

أداة الطلاق أو صورته في الخارج وهي صيغته

تولد التصرفات بين الناس بصدور صورها التي يمكن ضبطها في الحس الخارجي، وهذه الصور للعقود أو التصرفات هي صيغها أو أداتها، وهي التي تميز المعاملات البشرية عن العبادات الدينية، فمع اتحادهما في اشتراط تحقق الإرادة لصحتهما إلا أن المعاملات الإنسانية يجب أن لا يكون لها اعتبار إلا بعد التعبير عنها بإحدى الصيغ المتعارف عليها بين الناس لعدم  انضباط معاملاتهم إلا بظاهر محسوس بخلاف العبادات الدينية التي يمكن تحققها بالنية القلبية؛ لاطلاع الله تعالى على ما في القلوب.

والطلاق من زمرة التصرفات الآدمية في الجملة فلا يقع إلا بصيغة محسوسة في معاملات الناس حتى ولو نواه الزوج بقلبه دون أن يتلفظ بشيء عند أكثر أهل العلم؛ لما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به". وخالف في ذلك الإمام الزهري (ت184هـ) الذي قال بوقوع طلاق الناوي له من غير تلفظ؛ لما أخرجه الشيخان عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال بالنية". (والإمام الزهري هو حفيد عبد الرحمن بن عوف، فهو ابراهيم بن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وكنيته أبو اسحاق كان من علماء الحديث الثقات بالمدينة المنورة، وكان موسيقارًا يضرب العود ويغني عليه).

وصيغة الطلاق أو أداته التي تظهر صورته في الخارج مردها إلى أفهام الناس وإدراكهم لها في حكم الأصل. إلا أن الفقهاء اشترطوا للحكم بصحة وقوع الطلاق أن يتم بصيغة خاصة، وهؤلاء أربع فرق.

(1)فريق يرى ضرورة اختيار الصيغ الحاسمة التي لا تقبل التردد ولا تستعمل غالبًا إلا في إرادة وقوع الطلاق فيما أسموه بالصيغ الصريحة، أو الملحقة بالصريحة لظهور دلالتها عند الناس بذاتها أو بنية صاحبها، وهم المالكية والشافعية وبعض الحنابلة.

(2)وفريق يتوسع في الحكم بوقوع الطلاق ليشمل مع صيغه الصريحة أو الملحقة بالصريحة الصيغ الكنائية وهي التي لم توضع للطلاق أصلًا وإنما قد تحتمله بسبب قرائن الأحوال أو الاستعمال العرفي مثل قول الزوج في حال رفضه لبعض تصرفات زوجته الحقي بأهلك، فإنه يكون طلاقًا ولو لم ينوه عند الحنفية والحنابلة في المعتمد.

(3)وفريق يتوسع أكثر في الحكم بوقوع الطلاق ليشمل مع الصيغ الصريحة والصيغ الكنائية الصيغ التي لا علاقة لها بالطلاق من قريب أو من بعيد إذا ضم إليها النية بالطلاق، كما لو قال الزوج لزوجته: اسقني ماءً، وكان يقصد بذلك طلاقها، فهو طلاق عند المالكية في المشهور. أما إذا نوى الطلاق بدون أي لفظ مع تلك النية فلا يكون ذلك طلاقًا إلا عند الزهري (ت184هـ).

(4)وفريق يضيق في الحكم بوقوع الطلاق فيرى عدم احتساب الطلاق أصلًا إلا إذا وقع بأحد الألفاظ الثلاثة الواردة في القرآن الكريم للدلالة على الطلاق وهي (الطلاق والفراق والسراح)، وكأنهم يرون الطلاق من العبادات التوقيفية كالصلاة والحج، وهم الظاهرية.

والأصل في صيغة الطلاق أن تكون باللفظ؛ لأنها الأغلب في معاملات الناس فإن وقعت بالكتابة أو بالإشارة فلها حكم اللفظ عند العاجزين عنه كالخرس مع ضوابط تطمئن المجتمع على إرادة وقوع الطلاق منهم بتلك الكتابة أو الإشارة، واشترط الحنفية في ظاهر الرواية وبعض الشافعية لصحة وقوع طلاق الأخرس بالإشارة عجزه عن الكتابة.

أما القادر على النطق فهل له حق في إيقاع طلاقه بالكتابة أو بالإشارة؟ للفقهاء في ذلك تفصيل قبل مرحلة التوثيق الرسمي الذي عرفته مصر لأول مرة في وقائع الزواج والطلاق اللاحقة للأول من أغسطس سنة 1931م حتى الآن. ونوجز هذا التفصيل فيما يلي.

أولًا: الطلاق بالكتابة للقادر على النطق

اختلف الفقهاء قديمًا في حكم الطلاق بالكتابة للقادر على النطق، وذلك على ثلاثة مذاهب كما يلي.

المذهب الأول: يرى الحكم بوقوع الطلاق إذا كتبه الزوج ولم يتلفظ به مع قدرته على التلفظ دون حاجة إلى البحث عن نيته. وهو مذهب الجمهور قال به الحنفية والمالكية والحنابلة؛ لأن الكتابة أوثق من اللفظ لديمومتها. واستثنى المالكية والحنابلة من ذلك ما لو نازع الزوج وقال إنه كان ينوي بكتابته للطلاق تجويد خطه أو تجربة قلمه أو غم أهله. واشترط المالكية لقبول هذا الاستدراك أن لا يخرج الكتاب من يده.

المذهب الثاني: يرى تعليق الحكم بوقوع الطلاق إذا كتبه الزوج القادر على النطق على نيته، فإن أخبرنا بنيته للطلاق من هذه الكتابة حكمنا بوقوع الطلاق وإلا فلا. وهو الأظهر عند الشافعية؛ لأن الكتابة مع القدرة على الكلام تثير الظنون فألحقت الكتابة بالألفاظ الكنائية التي لا تستبين إلا من صاحبها.

المذهب الثالث: يرى عدم اعتبار الطلاق بالكتابة للقادر على النطق. وهو القول الثاني عند الشافعية وإليه ذهب الظاهرية؛ لأن العبرة في عقود الناس بما تعارفت عليه غالبًا، والغالب في إيقاع معاملات الناس ومنها الطلاق أن يكون من الناطقين باللفظ.

ثانيًا: الطلاق بالإشارة للقادر على النطق

اختلف الفقهاء قديمًا في حكم الطلاق بالإشارة للقادر على النطق كاختلافهم في حكم وقوعه بالكتابة إلا في مراكز الفقهاء من الأقوال، ويمكن اجمال أقوالهم في ثلاثة مذاهب كما يلي:

المذهب الأول: يرى عدم وقوع الطلاق بالإشارة من القادر على الكلام. وهو مذهب الجمهور قال به الحنفية وأكثر الشافعية ومذهب الحنابلة والظاهرية؛ لأن الإشارة من المتكلم ملبسة، ولو كان يريد الطلاق لتكلم أو كتب.

المذهب الثاني: يرى الحكم بوقوع الطلاق بالإشارة المفهمة من القادر على الكلام. وهو مذهب المالكية؛ لأن الإشارة المفهمة من وسائل التعبير فيقع بها الطلاق قياسًا على وقوعها من الأخرس.

المذهب الثالث: يرى تعليق الحكم بوقوع الطلاق بإشارة الزوج دون تلفظه على نيته، فإن أخبرنا بأنه كان ينوي بإشارته تلك الطلاق حكمنا بوقوعه وإلا فلا. وهو وجه للشافعية؛ لأن الإشارة بالطلاق مع القدرة على التلفظ به تثير الظنون فألحقت بالألفاظ الكنائية التي لا تستبين إلا من صاحبها.

المبحث الثالث

مقصود الطلاق والحكمة من مشروعيته

يحرص الفقهاء على دراسة مقاصد العقود والحكمة من مشروعيتها لتفسير ما يغمض عليهم من مسائل تلك العقود على ضوء مقاصدها المستنبطة ومعانيها الظاهرة التي ينحازون إليها عند تعارض دلالات النصوص الشرعية. وتختلف مقاصد الطلاق ومعاني مشروعيته باختلاف نظرة الفقيه وجهة استنباطه، ويمكن أن نجمل ذلك في اتجاهين.

الاتجاه الأول: يرى أن مقصود الطلاق هو إبقاء المعروف علامة مميزة له كما كان الزواج علامة مميزة له؛ لأن المعروف هو المقصد العام في علائق الناس كما قال تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا" (الحجرات:13). وإذا كان المعروف هو الراية التي تجمع الإنسانية في العموم فإنه الأشد مقصدًا في العلاقات الأسرية كما قال تعالى: "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه" (البقرة:231). وقال تعالى: "وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير" (البقرة:237).

أما الحكمة من الطلاق فهي تمكين كل واحد من الزوجين بعد فكاك رباط زواجهما من تدبير شأنه مستقبلًا دون عائق أو ضرر، ودون تقديم مصلحة أحدهما على مصلحة الآخر، فليست إحدى المصلحتين أولى بالرعاية من الأخرى، كما قال تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف" (البقرة:228)، وقال تعالى: "وإن يتفرقا يغن الله كلًا من سعته وكان الله واسعًا حكيمًا" (النساء:130). ويكون انصراف كل من الزوجين إلى حال سبيله بعد استحالة العشرة بينهما، ولذلك جعل الله تعالى الطلاق على مراحل في قوله تعالى: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (البقرة:229)، وجاءت الدعوة القرآنية للزوجين ببذل محاولات الصبر عند ابتداء الكراهية فقال تعالى: "وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا" (النساء:19).

الاتجاه الثاني: يرى أن مقصود الطلاق هو تعظيم الرضا في العقود واستمراره، فقد أقام الدين أمر العقود على التراضي لسيادة الناس على أنفسهم، كما قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" (النساء:29)، وأخرج ابن عدي في "الكامل" بإسناد حسن وصححه السبكي في "طبقات الشافعية" عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل بني آدم سيد، فالرجل سيد أهله والمرأة سيدة بيتها". وإذا كان التراضي هو أساس العقود في معاملات الناس فإنه الأشد اعتبارًا في العلاقات الأسرية كما قال تعالى: "لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما" (البقرة: 233)، وقال سبحانه: "وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا" (النساء:4)، وقال جل شأنه: "فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها" (البقرة:229).

أما الحكمة من الطلاق فهي إراحة الزوج وتخليصه من رباط كرهه أو سئمه لرفع الضرر عنه. وقد نص الفقهاء على أن رفع الضرر من القواعد الفقهية التي يدل عليها الكتاب والسنة، ومن ذلك عموم قوله تعالى: "ولا يضار كاتب ولا شهيد" (البقرة:282)، وقوله تعالى: "لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده" (البقرة:233). وقد أخرج أحمد وابن ماجه والطبراني بسند له شواهد تصححه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار". وأخرج الطبراني وعبد الرزاق عن لقيط بن صبرة أنه قال: يا رسول الله إن لي امرأة فذكر من طول لسانها وبذائها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "طلقها". قال: يارسول الله إنها ذات صحبة وولد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أمسكها أأمرها فإن يكن فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك"، وأخرج أبو داود والبزار برجال ثقات عن ابن عباس أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن امرأتي لا ترد يد لامس؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "غربها". قال: أخاف أن تتبعها نفسي؟ قال: "فاستمتع بها". وأخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ:قال: "طلقها". قال: لا أصبر عنها؟ قال: "فأمسكها".

وتطبيقًا لهذين الاتجاهين في مقصود الطلاق والحكمة من مشروعيته نأخذ على سبيل المثال قوله تعالى: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم" (الطلاق:1). هنا يمكن للفقيه أن يحكن بعدم احتساب الطلاق إذا وقع في زمن لا تبدأ فيه العدة، كما إذا أوقعه الزوج في فترة حيض الزوجة أو في طهر مسها فيه كما هو مذهب الظاهرية وأخذ به ابن تيمية وابن القيم؛ حتى لا تطول مدة العدة على المطلقة. كما يمكن للفقيه أن يحكم باحتساب الطلاق إذا وقع في كل زمن حتى ولو كان قبل احتساب العدة مما يطيل مدتها على المطلقة، كما هو مذهب الجمهور.

والترجيح بين هذين القولين يرجع إلى انحياز الفقيه إلى المقصد من الطلاق في نظره، والحكمة من مشروعيته. فمن نظر إلى أن المقصد من الطلاق هو الفراق بالمعروف إبقاءًا للمعروف، وأن الحكمة من الطلاق هي تمكين الزوجين بعد فكاك رباطهما من أن يشق كل منهما طريقه مستقبلًا دون عائق أو ضرر انحاز إلى تفسير قوله تعالى: "فطلقوهن لعدتهن" على ضرورة أن يتم الطلاق على رأس العدة، وهو اليوم الذي تبدأ منه المطلقة احتساب عدتها حتى لا تطول عليها، فإن وقع الطلاق قبل هذا اليوم لم يكن طلاقًا لمخالفته مقصود الطلاق وهو إبقاء المعروف، ومخالفته الحكمة من مشروعية الطلاق وهي شق طريق المستقبل دون عائق أو ضرر. وبهذا نقيد وقوع الطلاق؛ عملًا بما أخرجه الحاكم وصححه، كما أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند ضعيف عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الحلال عند الله الطلاق". ومن نظر إلى أن المقصود من الطلاق هو تعظيم الرضا في العقود واستمراره فلا يكره الزوج على إمساك العصمة، وأن الحكمة من مشروعية الطلاق إراحة الزوج بتخليصه من رباط كرهه أو سئمه انحاز إلى تفسير قوله تعالى: "فطلقوهن لعدتهن" على أفضلية أن يتم الطلاق على رأس العدة، فإن وقع الطلاق قبل هذا اليوم - كما إذا وقع في أيام الحيض، أو في طهر مسها فيه - لم يكن ذلك مانعًا من احتسابه طلاقًا؛ مراعاة لمقصود الطلاق الذي يراه في تعظيم رضا الزوج بحياته الزوجية، والحكمة من مشروعية الطلاق الذي يراها في تخليص الزوج مما يكره أو يسأم. وأما ما يقع على الزوجة المطلقة من ضرر في طول العدة فهو من المحرمات التي لا ترقى إلى مرتبة المانع من وقوع الطلاق بدليل سقوط هذا التحريم برضا الزوجة على الطلاق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

أصول وقوع الطلاق

الطلاق شأن سائر التصرفات لا يحتسب إلا إذا وقع بأصوله الثلاثة المعتبرة، وهي تواجد أسبابه وتحقق شروطه وانتفاء موانعه التي تعرف في علم "أصول الفقه" بالحكم الوضعي أو الجعلي الذي هو "خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سببًا في شيء آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا منه". ونوضح تلك الأصول الثلاثة فيما يلي.

(1)أما السبب فقد عرفه القرافي (ت684هـ) في "الفروق" بأنه: "ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته". ومثاله في الطلاق صدور صيغته على الوجه المعتبر عند الناس؛ حيث يلزم من وجود تلك الصيغة وجود الطلاق كما يلزم من عدمها عدمه. فإذا صدرت صيغة الطلاق على وجهها المعتبر في نظر الفقيه فإنه سيحكم بأنها سبب للحكم به. أما إذا صدرت صيغة الطلاق على غير هذا الوجه فإن الفقيه لن يراها سببًا للحكم بوقوع الطلاق، وسيحكم بأنها لغو، كما لو صدرت من مجنون أو من مغلوب على عقله.

(2)وأما الشرط فقد عرفه القرافي بأنه: "ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته". ومثاله في الطلاق وجود علاقة الزوجية أو ولاية التطليق؛ حيث يلزم من عدم الزوجية ومن عدم ولاية التطليق عدم وجود الطلاق، ولا يلزم من وجود علاقة الزوجية أو وجود ولاية التطليق وجود الطلاق. فإذا لم توجد علاقة الزوجية أو لم توجد ولاية التطليق في نظر الفقيه فقد انعدم عنده شرط وجود الطلاق مما لا يجوز معه الحكم بوقوعه.

ومن أمثلة شروط صحة الطلاق أيضًا وجود النية لحل رباط الزوجية عند التلفظ به ولو بصريح العبارة عند الظاهرية؛ لارتباط العقود بمقاصدها؛ خلافًا للجمهور الذي يرى صراحة العبارة مغنية عن النية.

(3)وأما المانع فهو عكس الشرط، وقد عرفه القرافي بأنه: "ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته". ومثاله في الطلاق وجود الحيض أو المس في الطهر الذي يراه الظاهرية وابن تيمية وابن القيم مانعًا من إيقاع الطلاق، وهو المعروف بالطلاق البدعي. حيث يلزم من وجود هذا المانع في نظرهم عدم الطلاق، ولا يلزم من عدمه وجود الطلاق ولا عدمه.

ومن أمثلة موانع الطلاق أيضًا وجود حال الغضب المغيرة لوضع الزوج عن عادته بحيث لو كان في حال اعتداله لما طلق، وهذا عند ابن تيمية وابن القيم، واشترط الجمهور لعدم وقوع طلاق الغضبان شدة الغضب لدرجة الهذيان واختلاط الكلام.

وبهذا يتضح أكذوبة الحكم بوقوع كل ألفاظ الطلاق؛ استنادًا إلى حديث ما يمكن تسميته بعد توسع الفقهاء في تطبيقه بأنه "سيف الأسر"، وهو ما أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي بإسناد حسن وصححه الحاكم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة". فهل يهدم هذا الحديث أصول العقود والتصرفات التي تقوم على أسبابها وشروطها وانعدام موانعها، أم يجب عند تطبيق هذا الحديث أن يكون في ظل تلك الأصول الثلاثة (وجود السبب، وتحقق الشرط، وانعدام المانع)؟ إذا أردنا الانتصار لأصول المعاملات فليس أمامنا في تفسير هذا الحديث إلا أن نقول إنه إذا وقع أي عقد من "النكاح أو الطلاق أو الرجعة" على وجهه المعتبر عند الناس بوجود سببه وتحقق شرطه وانعدام موانعه فإننا نحكم بصحته حتى لو كان على وجه اللعب أو الهزل، كمن يريد مفاجأة زوجته فقدم لها مظروفًا بداخله وثيقة رسمية بطلاقها معتمدة من الجهات المعنية وبتوقيعه، فهنا نحكم بوقوع الطلاق حتى ولو كان تصرف هذا الزوج على وجه اللعب أو الهزل. أما إذا انعدم سبب الطلاق، أو تخلف شرط من شروط صحته، أو وجد مانع من موانع الحكم بصحته فهو والعدم سواء حتى ولو وقع لفظه بالجد لا بالهزل. وهذا هو الفقه الذي يحفظ الأسر من الضياع الذي يسببه أصحاب الفتاوى الطائشة الموهومون بحاكمية حديث "ثلاث جدهن جد" على الأصول المرعية في العقود والتصرفات من ضرورة انضباطها بالأحكام الجعلية الثلاثة (السببية والشرطية والمانعية).

ونظرًا لبناء الفقه على الاستنباط البشري فقد تعددت الرؤى فيه، وكلها توصف بالصواب الذي يحتمل الخطأ؛ لانفراد الله تعالى بعلم الغيب. ولم يشفع لهذه التعددية قصر حق الاستنباط على المجتهدين أو المؤهلين؛ لتعدد مناهج الاستنباط، وتفاوت مراتب المجتهدين. وقد ترتب على ذلك إلزام المجتهدين ومتبعيهم بالتواضع أمام الرأي المخالف، والتزام الجميع بالقاعدة الفقهية: "لا إنكار في المختلف فيه"، مما يجعل الناس في سعة من الأحكام، كما أخرج ابن عبد البر في: "جامع بيان العلم وفضله" عن عمر بن عبد العزيز قال: "ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولًا واحدًا كان الناس في ضيق وأنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة".

وسوف نعالج عشرة مسائل في الطلاق تظهر التزام الفقهاء بأصوله من السببية والشرطية والمانعية، مع تفاوتهم في التطبيق بما يعدد أقوالهم في المسألة الواحدة لتكون سعة للناس في الاختيار من دون ترهيب أو ترغيب أو تشكيك لصالح قول معين على حساب الآخر إلا أن يقع في قلب المتلقي موقع قبول. وهذه المسائل التي نعتزم بيانها الفقهي بإذن الله تعالى هي: الطلاق بغير صيغة التنجيز، والطلاق بغير نيته، والطلاق بالتوكيل، وطلاق الفضولي، والطلاق بغير الإشهاد، وطلاق الغضبان، وطلاق المكره، وطلاق السكران، والطلاق بلفظ الثلاث، والطلاق البدعي. وذلك في المباحث العشرة التالية.

المبحث الأول

الطلاق بغير صيغة التنجيز

(الطلاق المضاف والطلاق المعلق)

صيغة الطلاق الصحيحة هي سبب الحكم بإيقاعه والنطق بحل رباط الزوجية وترتب آثار هذا الحل من العدة وغيرها. والأصل في الطلاق إذا أراده الزوج إرادة حقيقية أن يوقعه منجزًا؛ لأن التنجيز هو الطريق المستقيم المختصر لإبرام العقود والوصول إلى الأشياء. والطلاق المنجز هو الذي يرتب سبب الفرقة في الحال، ويعقبه أثره بدون تراخ. وصورته أن يصدر الزوج صيغة الطلاق مستوفية شروطها ومنتفية عن موانعها مثل أن يستخرج وثيقة رسمية معتمدة من الجهات المعنية تشهد بأنه أصدر تعبيره الصريح بطلاق زوجته "فلانة" وفق الشروط المعتبرة، ومثل أن يقول الزوج المتزوج عرفيًا لزوجته العرفية "أنت طالق" مع تحقق سائر شروط وقوع الطلاق وانتفاء موانعه.

وإذا وقعت صورة الطلاق بغير صفة التنجيز فإنها إما أن تكون مضافة وإما أن تكون معلقة، وللفقهاء فيهما تفصيل نوجزه فيما يلي.

أولًا: الطلاق المضاف

الطلاق المضاف هو الصادر بصيغة مقرونة بوقت في المستقبل أو في الماضي، كأن يقيد الطلاق بأول الشهر القادم، أو بآخر الشهر الماضي. هنا اختلف الفقهاء في حكم هذه الإضافة الزمنية هل يعتد بها، أو تلغى من الحسبان ويحكم بوقوع الطلاق، أو تكون سببًا في بطلان صيغة الطلاق؟ ثلاثة مذاهب في الجملة، كما يلي.

المذهب الأول: يرى الاعتداد بقيود الطلاق الزمنية المستقبلية والماضية في الجملة. وهو مذهب الحنفية والشافعية. وحجتهم عموم الأدلة الآمرة بالوفاء بالعقود والشروط، ومنها قوله تعالى: "أوفوا بالعقود" (المائدة:1)، وما أخرجه البخاري عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج".

واستثنى الحنفية والشافعية من صورة الطلاق المضاف إلى زمن ماضي إذا كان يقصد الزوج إيقاعه في الحال وليس الاخبار عن طلاق سابق فإنه يقع في الحال كالمنجز.

المذهب الثاني: يرى إلغاء قيود الطلاق الزمنية المستقبلية والماضية ليحكم بتنجيزه في الحال في الجملة. وهو مذهب المالكية والحنابلة. وحجتهم أن استقرار المعاملات في عقود التمليكات تقتضي إلغاء ما يضاف إليها من شروط تهز صورتها المستقيمة بالتجيز، فقد أخرج الشيخان عن عائشة في قصة بريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن اشترط مائة شرط شرط الله أحق وأوثق"، وفي رواية: "ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله. من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة مرة. شرط الله أحق وأوثق". وأخرج الدارقطني عن عمرو بن عوف المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا".

واستثنى أصحاب هذا المذهب من صورة الطلاق المضاف إلى زمن ماض إذا كان الزوج يقصد الإخبار عن حقيقة طلاقه الصحيح في الزمن الماضي وليس مجرد إضافة لزمن في صيغة الطلاق فإنه يحتسب من زمنه الماضي دينًا.

المذهب الثالث: يرى أن إضافة الزمن للطلاق تبطله وتجعله لغوًا، سواء أكانت الإضافة لزمن في المستقبل أم لزمن في الماضي إلا إذا كانت الإضافة لزمن ماض خبرًا عن طلاق وقع صحيحًا في الزمن الماضي. وهو مذهب الظاهرية. وحجتهم أن الله تعالى علمنا كيف يكون الطلاق في قوله سبحانه: "إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن" (الطلاق:1)، والطلاق المضاف إلى أجل لا يجعل العدة فور الطلاق كما أمر الله، وهذا ظلم وعدوان منهي عنه كما قال سبحانه: "ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه" (الطلاق:1). قالوا: وأيضًا فإن كل طلاق لا يقع حين إيقاعه فمن المحال أن يقع بعد ذلك أو في زمن لم يوقعه فيه.

وقد أخذ بعض الحنفية والحنابلة بهذا القول في صورة إضافة الطلاق لزمن في الماضي بغير قصد الإخبار، وإنما بقصد احتسابه بأثر رجعي لإيقاعه في الماضي.

ثانيًا: الطلاق المعلق

الطلاق المعلق هو الصادر بصيغة مرهونة بحصول شيء آخر، وقد يكون التعليق لفظيًا كقول الزوج "إن فعلت كذا فأنت طالق"، وقد يكون التعليق معنويًا كقول الزوج "علي الطلاق ما أفعل كذا". وقد اختلف الفقهاء في الحكم بإيقاع الطلاق بإحدى صيغ التعليق إذا تحقق الأمر المعلق عليه مع سائر شروط صحة الطلاق، هل يكون الطلاق صحيحًا إذا وقع الأمرالمعلق عليه، أو يأخذ الطلاق المعلق حكم اليمين بالله بلزوم الكفارة عند الحنث، أو نعد صيغة التعليق بالطلاق لغوًا؟ ثلاثة مذاهب للفقهاء، كما يلي.

المذهب الأول: يرى صحة الحكم بوقوع الطلاق بصيغة التعليق إذا تحقق الأمر المعلق عليه، ولو بطريق النسيان أو الإكراه. وهو مذهب الجمهور ذهب إليه فقهاء المذاهب الأربعة في الجملة. وحجتهم عموم الأدلة الآمرة بالوفاء بالعقود والشروط. وقال الشافعية في الأظهر: إذا وقع الأمر المعلق عليه سهوًا أو إكراهًا فلا طلاق؛ لما أخرجه الحاكم وابن ماجه والطبراني بسند فيه مقال عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وقال بعض الشافعية: إن صيغة "علي الطلاق" ليست طلاقًا وإنما هي وعد به؛ لأن لفظ "علي" اسم فعل أمر بمعنى يلزمني.

المذهب الثاني: يرى تحويل صيغة الطلاق بالتعليق إلى إحدى صيغ الحلف بالله، فتجب كفارة الحنث في اليمين إذا وقع المعلق عليه دون الطلاق. وهو قول ابن تيمية (ت728هـ) في الجملة. وحجته أن اختيار صيغة التعليق يدل على أن الزوج لا يرغب في الأصل إنشاء طلاق، وإنما يقصد حمل نفسه أو زوجته أو غيرهما على فعل شيء أو تركه، وكان الأصل أن يأتي باسم من أسماء الله في حلفه، إلا أنه أتى بلفظ الطلاق للتخويف به، والعبرة في التصرفات بالمعاني لا بالمباني، فقد أخرج الشيخان عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال بالنية".

المذهب الثالث: يرى إلغاء صيغة الطلاق بالتعليق واعتبارها كأن لم تكن. وهو مذهب الظاهرية والإمامية. وحجتهم أن الاستقامة في صيغ الطلاق إنما تكون بصيغة التنجيز، فكان الطلاق بصيغة التعليق انحرافًا وتعديًا لا يرقى إلى مرتبة الاعتبار؛ لقوله تعالى: "ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه" (الطلاق:1).

 

المبحث الثاني

الطلاق بغير نيته

 (1)إذا وقع الطلاق باللفظ الصريح الذي يستعمل في إيقاعه غالبًا، كقول الزوج لزوجته "أنت طالق" فقد ذهب جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة المشهورة إلى القول بالحكم بوقوع الطلاق بهذا اللفظ الصريح دون حاجة إلى استحضار الزوج لنية الطلاق إذا تحققت سائر شروط صحة الطلاق؛ لأن صراحة اللفظ في الطلاق تقوم مقام النية عندهم.

وذهب الظاهرية والإمامية إلى القول بأن الطلاق باللفظ الصريح لا يصح إلا باستحضار نية الطلاق، ولا تعرف هذه النية إلا من قبل الزوج. والأصل هو اعتبار اللفظ الصريح في الطلاق إلا إذا نازع الزوج ونفى إرادته له، كأن قال سبق لساني به، أو كنت أهدد به، فإنه لا يحكم بوقوع الطلاق؛ لعدم تحقق النية التي هي شرط صحة الأعمال، كما أخرج الشيخان عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال بالنيات". وقياسًا على الساهي والنائم والغالط، فقد أخرج ابن ماجه والحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وروى ابن حزم في "المحلى" بسنده عن خيثمة بن عبد الرحمن أن امرأة قالت لزوجها: سمني، فسماها الظبية. قالت: ما قلت شيئًا؟ قال: فهات ما أسميك به. قالت: سمني خلية طالق. قال: فأنت خلية طالق. فأتت عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجي طلقني، فجاء زوجها فقص عليه القصة، فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها.

(2)أما إذا وقع الطلاق بغير ألفاظه الثلاثة الواردة في كتاب الله وهي: "الطلاق والفراق والسراح" كأن وقع بلفظ "الحقي بأهلك" أو بلفظ "حبلك على غاربك" أو بلفظ "أنت مبرأة" فإن الظاهرية والإمامية يرونه لغوًا، حتى ولو كان ناويًا للطلاق؛ لأنه وقع على وجه ليس في كتاب الله، وقد أخرج الشيخان عن عائشة في قصة بريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شرط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل". أما جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة المشهورة فيرون أن هذه الألفاظ التي لا تدل على الطلاق صراحة إن كانت لا تحتمل معنى الطلاق في استعمال الناس فهي لغو، وإن كانت تحتمل إرادة الطلاق فإنها توصف بالطلاق الكنائي ولا يحكم بوقوع الطلاق بها إلا إذا صرح الزوج بأنه كان ينوي بها الطلاق. ثم اختلف هؤلاء الجمهور في مدى إلحاق تلك الألفاظ الكنائية بألفاظ الطلاق الصريحة إذا كانت قرائن الحال تفيد إرادة الطلاق. وبتعبير آخر نقول إن جمهور الفقهاء قد اختلفوا في الحكم بوقوع الطلاق بالألفاظ الكنائية دون الحاجة لسؤال الزوج عن استحضار نية الطلاق عند التلفظ بها إذا كانت قرائن الحال تدل على إرادته الطلاق، كما لو قال لزوجته في مناسبة نقاش يحدد مصير علاقته بها "الحقي بأهلك"، فهل تغني قرائن الحال عن النية في ألفاظ الطلاق الكنائية؟ قولان لجمهور الفقهاء.

القول الأول: يرى أن قرائن الحال كالنية للحكم بها على وقوع الطلاق بألفاظه الكنائية. وهو مذهب الحنفية والحنابلة في المعتمد؛ لأن قرائن الحال تلحق الطلاق الكنائي بالطلاق الصريح الذي لا يحتاج إلى نية عند الجمهور. ولأن اشتراط النية في الطلاق الكنائي كان لغموضه الذي لا يعرف إلا بها، فإذا دلت قرائن الحال على إرادة الطلاق لم نعد في حاجة إلى سؤال الزوج عن نيته.

القول الثاني: يرى أن قرائن الحال لا تغني عن نية الزوج للحكم بوقوع الطلاق إذا وقع باللفظ الكنائي. وهو مذهب المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة؛ لأن اللفظ الكنائي لم يوضع للطلاق وإن كان يحتمله، ولا سبيل إلى الوصول إلى إرادة الطلاق به إلا من جهة الزوج بنيته التي يصرح بها، فإن احتسبنا قرائن الحال كالنية فقد ألزمنا الزوج بشيء قد يكون منصرف الذهن عنه.

 

المبحث الثالث

الطلاق بالتوكيل أو بالتفويض

(1)التوكيل هو الاعتماد على الغير، ويكون بالوكالة أو بالتفويض في الجملة. أما الوكالة فتعني في اللغة التفويض إلى الغير ورد الأمر إليه. أما الوكالة في اصطلاح الفقهاء فهي كما ورد في "التعاريف" للمناوي (ت1031هـ): "استنابة جائز التصرف مثله فيماله عليه تسلط أو ولاية ليتصرف فيه"، مثل أن يقول الرجل لآخر: "وكلتك في طلاق زوجتي فلانة". والتفويض عند الفقهاء هو "رد الأمر إلى الغير لينظر فيه"، مثل أن يقول الزوج لآخر: "أعطيك الإذن في طلاق زوجتي فلانة"، أو يقول لزوجته: "أفوضك في طلاق نفسك، أو معك الإذن في طلاق نفسك".

وقد اختلف الفقهاء في تحديد الفرق بين التوكيل وبين التفويض في الطلاق على مذهبين. المذهب الأول: يرى أن الفرق بين التوكيل وبين التفويض في الطلاق هو أنه يحق للموكل أن يلغي الوكالة قبل تصرف الوكيل بخلاف التفويض؛ لأنه كاليمين فيصير المفوض تحت سلطان الحائز على التفويض مدى حياته. وهذا مذهب الحنفية والمالكية وبعض الشافعية وقول للإمامية.

المذهب الثاني: يرى أن الفرق بين التوكيل وبين التفويض في الطلاق هو أن التفويض له أثر فوري فإن فات مجلس التعاقد دون أن يستعمله صاحب التفويض لم يكن له حق في إنفاذ الطلاق بعد، وأكثر ما يكون التفويض أن يكون للزوجة. أما التوكيل بالطلاق فله أثر ممتد إلى حين إلغاء الوكالة. وهذا مذهب الشافعية في الجديد وإليه ذهب الحنابلة وأحد القولين للإمامية.

(2)واختلف الفقهاء في طبيعة الطلاق هل هو من الحقوق العينية الذاتية التي لا تصح إلا من أصحابها كالصلاة والصيام واليمين والظهار واللعان والشهادة في الجملة، أم أنه من العقود الموضوعية المهنية التي يجوز فيها الإنابة بالتوكيل أو بالتفويض كالبيع والإجارة ونحوهما في الجملة؟ مذهبان للفقهاء.

المذهب الأول: يرى أن الطلاق من العقود الموضوعية التي يجوز فيها الإنابة بالتوكيل أو بالتفويض. وهو مذهب جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة المشهورة وأحد القولين عند الإمامية، وروي عن إبراهيم النخعي والحسن البصري؛ قياسًا على سائر عقود المعاملات كالبيع والإجارة لرفع الحرج عن الناس كما قال سبحانه: "وما جعل عليكم في الدين من حرج" (الحج:78).

المذهب الثاني: يرى أن الطلاق من العقود العينية الذاتية التي لا تصح إلا من أصحابها الأصليين كالزوج المكلف أو ولي أمره إذا كان مجنونًا، فلا يصح الطلاق بالتوكيل أو بالتفويض. وهو مذهب الظاهرية والقول الثاني عند الإمامية؛ لعموم قوله تعالى: "ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى" (الأنعام:164). قالوا: فلا يجوز عمل أحد عن عمل أحد آخر، ولا يجزئ كلام أحد عن كلام غيره إلا حيث أجازه القرآن أو السنة الثابتة، ولم يأت في طلاق أحد بتوكيله إياه قرآن ولا سنة، فهو باطل. بل إن كل مكان ذكر الله تعالى فيه الطلاق فإنه خاطب به الأزواج لا غيرهم فلا يجوز أن ينوب غيرهم عنهم وإلا كان تعديًا لحدود الله. وقياسًا على أنه لا يجوز أن يظاهر أحد عن أحد، ولا أن يلاعن أحد عن أحد، ولا أن يحلف أحد عن أحد لا بوكالة ولا بغيرها.

 

المبحث الرابع

طلاق الفضولي

الفضولي في اللغة هو من يشتغل بما لا يعنيه، نسبة إلى الفضول جمع فضل، وهو الزيادة. والفضولي في اصطلاح الفقهاء كما يقول الجرجاني (ت816هـ) في "التعريفات" هو: "من لم يكن وليًا ولا أصيلًا ولا وكيلًا في العقد"، أو كما يقول الزيلعي (ت970هـ) في: "البحر الرائق": "هو من يتصرف في حق الغير بلا إذن شرعي". ويكون الطلاق من الفضولي كما لو قال رجل من آحاد المسلمين لإمرأة متزوجة من غيره: "أنت طالق من زوجك"، فهل يكون هذا الطلاق لغوًا، أو يكون موقوفًا على إذن زوجها، أو يكون صحيحًا مع الإثم؟ ثلاثة مذاهب للفقهاء، كما يلي:

المذهب الأول: يرى أن طلاق الفضولي لغو مطلقًا، حتى ولو أجازه الزوج الأصيل. وهو مذهب الشافعية في الجديد والحنابلة في المعتمد والظاهرية والإمامية؛ لصدور الطلاق من غير ذي صفة، وما بني على باطل فهو باطل.

المذهب الثاني: يرى أن طلاق الفضولي موقوف على إجازة الزوج الأصيل، وتكون سراية آثار الطلاق من بعد الإجازة لا قبلها. وهو مذهب الحنفية والمالكية ورواية للحنابلة اختارها ابن تيمية؛ لصدور الطلاق ممن يصح منه التصرف وإن كان لا يملكه، فاستعيض بإجازة المالك عن عدم ملك الفضولي للتصرف.

المذهب الثالث: يرى أن طلاق الفضولي صحيح مع الإثم. وهو رواية ثالثة عند الحنابلة ذكرها المرداوي (ت885هـ) في "الإنصاف" اختارها القاضي أبو بكر عبد العزيز (ت363هـ) في "التنبيه"؛ لعموم الأدلة الآمرة بالوفاء بالعقود مثل قوله تعالى: "أوفوا بالعقود" (المائدة:1)، والعبرة في صحة العقود هي صدورها ممن يتصف بأهلية التصرف، فإن كان يملك هذا التصرف لم يكن آثمًا لأنه يستعمل حقه، وإن كان لا يملك هذا التصرف كالفضولي فإنه يأثم لتعديه على حق غيره، وهذا الإثم لا يمنع الحكم بصحة التصرف؛ قياسًا على الحاكم المتغلب فإنه يأثم بتغلبه ويصح تصرفه، وقياسًا على حكم القاضي بشهادة الزور فيما أورده القرافي (ت684هـ) في "الفروق"، والسرخسي (ت483هـ) في "المبسوط"، أنه روي عن علي بن أبي طالب أنه ادعى عنده رجل نكاح امرأة، وشهد له شاهدان، فقضى بينهما بالزوجية، فقالت والله يا أمير المؤمنين ما تزوجني، فاعقد بيننا عقدًا حتى أحل له، فقال: "شاهداك زوجاك".

المبحث الخامس

الطلاق بغير الإشهاد

الأصل في حكم الإشهاد على الطلاق قوله تعالى: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا. فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجًا" (الطلاق:1-2).

قال الإمام الشافعي (ت204هـ) في كتابه "الأم": فأمر الله عز وجل في الطلاق والرجعة بالشهادة، وسمى فيها عدد الشهادة فانتهى إلى شاهدين فدل ذلك على أن كمال الشهادة على الطلاق والرجعة شاهدان .. وأني لم ألق مخالفًا حفظت عنه من أهل العلم أن حرامًا أن يطلق بغير بينة على أنه والله تعالى أعلم دلالة اختيار لا فرض يعصى به من تركه، ويكون عليه أداؤه إن فات في موضعه.

وقال ابن تيمية (ت728هـ) في كتابه "مجموع الفتاوى": فأمر الله تعالى بالإشهاد على الرجعة .. وقد ظن بعض الناس أن الإشهاد هو الطلاق وظن أن الطلاق الذي لا يشهد عليه لا يقع، وهذ خلاف الإجماع وخلاف الكتاب والسنة، ولم يقل أحد من العلماء المشهورين به.

وقد اختلف الفقهاء في عود الأمر بالإشهاد الوارد في الآية الثانية من سورة "الطلاق" على الطلاق أو الرجعة أو هما معًا. كما اختلفوا في دلالة هذا الأمر على الإيجاب أو الاستحباب. ويرجع سبب الخلاف إلى أن الأمر بالإشهاد ورد في مناسبة المفارقة بتخلية سبيل المطلقة إذا قضت عدتها، وهذا ليس بطلاق ولا برجعة ولا نكاح، وإنما هو لصيرورة المرأة خلية بدون زوج، والإشهاد في هذا محل اتفاق بدون نزاع؛ لذلك وجب عود الأمر بالإشهاد إلى الطلاق أو إلى الرجعة أو إليهما معًا؛ حتى يتحقق بالآية الكريمة إضافة حكم جديد، فقد قال تعالى: "فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا". ثم إن الأمر بالإشهاد يحتمل أن يكون حتمًا واجبًا؛ مراعاة لظاهره، كما يحتمل أن يكون للاستحباب؛ لرفع الحرج عن الناس. ويمكن إجمال أقوال الفقهاء هنا في المذاهب الخمسة الآتية.

المذهب الأول: يرى أن الأمر بالإشهاد في قوله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" يعود إلى الرجعة التي تكون بعد الطلاق. وهو قول جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة المشهورة. وحجتهم: أن عود الأمر بالإشهاد على الطلاق يتعارض مع حق الزوج به أبدًا من غير حاجة إلى فترة زمنية. أما الرجعة فهي التي إذا تأخرت إلى انقضاء العدة امتنعت؛ لذلك وجب عود الأمر بالإشهاد إليها حتى نطمئن إلى أن الرجعة وقعت صحيحة قبل انقضاء العدة.

ثم اختلف هؤلاء الفقهاء في دلالة الأمر بالإشهاد على الرجعة، وذلك على قولين:

القول الأول: يرى أن الأمر بالإشهاد على الرجعة للإيجاب؛ بحيث إذا وقعت بدون الإشهاد كانت والعدم سواء، وقيل تصح مع الإثم. وهو قول بعض المالكية والقديم عند الشافعية وحكاه النووي قولًا في الجديد، كما أنه رواية عند الحنابلة. وحجتهم: (1)ظاهر الأمر في قوله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" على أساس عود الأمر إلى الرجعة، وحمله على الوجوب لعدم وجود قرينة تصرفه عن ظاهره. (2)ما أخرجه أبو داود وابن ماجه والطبراني بسند صحيح عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها؟ فقال للسائل: طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد. (وليس عند ابن ماجه جملة "ولاتعد").

القول الثاني: يرى أن الأمر بالإشهاد على الرجعة للاستحباب، فلا أثر على صحة الرجعة بدونه. وهو قول الحنفية وأكثر المالكية والجديد عند الشافعية، وقال النووي هو الأظهر، وهو الرواية الثانية عند الحنابلة. وحجتهم: (1)أن الرجعة حق خالص للمطلق لا تحتاج إلى إذن المطلقة، فلم تفتقر إلى شهادة كسائر حقوق الزوج. (2)أن الأثر الوارد عن عمران بن حصين وأنه أمر بالإشهاد في الطلاق والرجعة موقوف عليه، فلا يصح للاحتجاج؛ لأنه وارد في أمر من مسارح الاجتهاد، وما كان كذلك فليس بحجة، كما نص على ذلك الشوكاني في "نيل الأوطار".

المذهب الثاني: يرى أن الأمر بالإشهاد في قوله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" يعود بصفة الوجوب إلى الرجعة أو عند انتهاء العدة من غير أن يكون شرطًا في صحة الطلاق أوالرجعة. وهو قول حكاه ابن رشد عن بعض المالكية في "بداية المجتهد"؛ استدلالًا بسد الذريعة، وذلك خوفًا من أن يموت فتدعي أنها زوجة لم تطلق، أو تموت هي فيدعي الزوج مثل ذلك، فأمر بالإشهاد في إعلان البينونة بانتهاء العدة؛ لينحسم ما يخشى من ذلك.

وقال ابن بكير المالكي (ت231هـ): "ويجب عندي لمن أبان زوجته (أي طلقها الثالثة، أو طلقها الأولى بصفة البينونة الصغرى) ألا ينظر انقضاء العدة وليشهد شاهدين حين الطلاق أنها قد بانت منه خشية المعنى الذي ذكرناه؛ لأن البائن في معنى التي انقضت عدتها".

قال ابن رشد الجد (ت520): "ويلزم على قياس قوله أن يلزم الإشهاد في الطلاق الرجعي حين الطلاق مخافة الموت. ويشهد أيضًا إذا انقضت العدة".

قال ابن رشد الحفيد (ت595): "وإذا قلنا إن الإشهاد واجب فمعنى ذلك أنه يكون بتركه آثمًا لتضييع الفروج وما يتعلق به من الحقوق من غير أن يكون شرطًا في صحة الطلاق والرجعة".

المذهب الثالث: يرى أن الأمر بالإشهاد في قوله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" يعود إلى الطلاق، فإذا وقع بدونه كان لغوًا. وهو مذهب الإمامية نص عليه الهذلي في "شرائع الإسلام في الفقه الإسلامي الجعفري". وحجتهم: (1)أن السياق القرآني في أول سورة الطلاق قد ورد بشأن الطلاق، ولم يرد فيه ذكر الرجعة إلا عرضًا، فكان الأمر بالإشهاد الوارد في هذا النص الكريم خاصًا بالطلاق؛ ولأن الأمر للوجوب بحسب دلالة ظاهره فإنه لا احتساب لطلاق لم يتحقق فيه هذا الواجب الشرعي. (2)أن تقييد صحة الطلاق بالإشهاد يقلل من وقوعه، وهذا مما يحفظ الأسر من التفكك الذي هو مقاصد الشرع.

المذهب الرابع: يرى أن الأمر بالإشهاد في قوله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" يعود إلى الطلاق والرجعة معًا، ولكن دلالة هذا الأمر على الاستحباب، فلا أثر على صحة أحدهما بدون إشهاد. وهو قول عند الشافعية ورواية عند الحنابلة. وحجتهم: أن الأمر بالإشهاد يرجع إلى الطلاق والرجعة لسبق ذكرهما في النص الكريم. أما دلالة الأمر فهي على الاستحباب كدلالة الأمر بالإشهاد في البيع عند أكثر أهل العلم في قوله تعالى: "وأشهدوا إذا تبايعتم" (البقرة:282).

المذهب الخامس: يرى أن الأمر بالإشهاد في قوله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" يعود إلى الطلاق والرجعة معًا، ودلالته على الوجوب بحيث إذا وقع أحدهما بدون إشهاد كان والعدم سواء. وهو مذهب الظاهرية، وروي عن علي بن أبي طالب وعمران بن حصين وهو قول عطاء وابن جريج وابن سيرين. ويرى ابن عباس عود الأمر إلى الطلاق والرجعة إلا أنه إن لم يشهد لم يكن عليه شيء. وحجتهم: (1)ظاهر الأمر في قوله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل منكم" على أساس عود الأمر فيه إلى كل من الطلاق والرجعة معًا، ولا يجوز إفراد أحدهما عن الآخر؛ لسبق ذكرهما في النص الكريم، مع حمل دلالة الأمر على الوجوب؛ لعدم وجود ما يصرف الأمر عن ظاهره. وكل عقد وقع مخالفًا لأمر الله فهو باطل لأنه لم يتم على الوجه المأمور به، فقد أخرج مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، وأخرجه الشيخان عنها بلفظ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". (2)ما أخرجه أبو داود وابن ماجه والطبراني بسند صحيح عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها؟ فقال للسائل: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة. أشهد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعد. (وليس عند ابن ماجه جملة "ولا تعد"). (3)أن تقييد صحة وقوع الطلاق والرجعة بالإشهاد يحقق مصالح مقصودة شرعًا، فمن مصالح تقييد الطلاق بالإشهاد حفظ الأسر من التفكك، ومن مصالح تقييد وقوع الرجعة بالإشهاد حفظ حدود الله بمراعاة العدة التي لا يجوز الرجعة بعدها.

المبحث السادس

طلاق الغضبان

الغضب في اللغة نقيض الرضا، ويطلق في العرف على الانفعال. يقول الجرجاني في "التعريفات": الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفي للصدر. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: الغضب حالة من الاضطراب العصبي وعدم التوازن الفكري تكون غالبًا بسبب الاستثارة بعدو الكلام أو التهييج بعدو الفعل. ويقول ابن القيم (ت 751هـ) في "زاد المعاد": الغضب على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الغضب الذي يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال. وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع.

القسم الثاني: الغضب الذي يكون في مبادئه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده. فهذا يقع طلاقه بلا نزاع.

القسم الثالث: الغضب الذي يستحكم بصاحبه ويشتد به، فلا يزيل عقله بالكلية ولكن يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال، فهذا محل نظر.

ويرجع سبب اختلاف الفقهاء في حكم وقوع طلاق الغضبان إلى أمرين:

الأمر الأول: تعارض مبدأ "استقرار العقود والمعاملات" الذي يستوجب إنفاذ ألفاظها أو لزوم صيغها بدون عذر الغضب، مع مبدأ "الرضائية في العقود والمعاملات" الذي يستوجب إهدار اللفظ أو إبطال الصيغة التي لا تحقق تمام الرضا في إبرام العقود.

الأمر الثاني: الاختلاف في صحة وفي تفسير حديث: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق". فقد أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه عن عائشة، وضعفه الذهبي. وقال الألباني (ت1999م-1421هـ) هو حسن. وقال ابن حجر العسقلاني (ت852) في "التلخيص الحبير". في إسناده محمد بن عبد بن أبي صالح، وقد ضعفه أبو حاتم الرازي. وفي تفسير الإغلاق خمسة أقوال كما يلي:

(1)أنه الغضب، ومنه قولهم: إياك والمغلق، أي الضجر. وهو قول الإمام أحمد وأبو داود، وأهل العراق.

(2)أنه الإكراه، كأنه يغلق عليه الباب ويحبسه حتى يطلق. هو قول ابن الأثير وأبو حاتم الرازي وابن قتيبة والخطابي وأهل الحجاز.

(3)أنه الجنون، كأن عقله انغلق كالمجنون. وهو ما حكاه المطرزي عن بعضهم واستبعده.

(4)أنه التضييق بجمع الطلاق الثلاث في لفظة واحدة، فهو من التغليق كأن المطلق غلق الطلاق حتى لايبقى منه شيء كما يغلق المدين ما عليه. وهو قول أبي عبيد وطائفة من العلماء.

(5)أنه يعم الإكراه والغضب والجنون، وكل أمر انغلق على صاحبه علمه وقصده. وهو ما حكاه الزيلعي (ت762هـ) عن شيخه.

 ويمكن إجمال أقوال الفقهاء في حكم طلاق الغضبان في المذاهب الثلاثة الآتية:

المذهب الأول: يرى أن طلاق الغضبان لا يقع فهو والعدم سواء. وهو قول ابن تيمية (ت728هـ) وابن القيم (ت 751هـ)، كما أنه مذهب المتأخرين من الحنفية الذي نص عليه ابن عابدين في "حاشيته" إلا أنه اشترط في الغضب أن يغلب على صاحبه الهذيان والخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته وإن كان يعلمها ويريدها. وحجتهم: (1) أن الرضا أساس صحة العقود؛ لعموم قوله تعالى: "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" (النساء:29)، وعموم ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي وصححه الحاكم عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق". والحد الأدنى في الغاضب أن يكون ناقص الرضا ومعيب الإرادة، فلم يصح طلاقه وسائر عقوده كما لا تعتبر عقود الصبي العاقل. (2)عموم ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق"، وهو حديث صححه الحاكم وحسنه الألباني. كما أن المقصود بالإغلاق هو الغضب كما فسره الإمام أحمد والإمام أبو داود وغيرهما. (3) أن الله تعالى رفع حكم يمين اللغو في قوله تعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور رحيم" (البقرة:225). وقد أخرج ابن جرير الطبري في "تفسيره" والبيهقي في "سننه الكبرى" عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان. ويؤكد عدم اعتبار يمين الغاضب أو تصرفه ما أخرجه أحمد والنسائي بسند ضعيف عن عمران بن حصين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين". وما أخرجه البخاري عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان"، وأخرجه أحمد عنه بلفظ: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان".

المذهب الثاني: يرى أن طلاق الغضبان يختلف بحسب استحضار نية الطلاق وإرادة حكمه فيقع، أو بعدم استحضار نية الطلاق وعدم إرادة حكمه فلا يقع ويكون لغوًا. وهو مذهب الظاهرية والإمامية؛ لأنهم يشترطون لصحة العقود استحضار النية، ولا يغني عنها صراحة الصيغة؛ لعموم ما أخرجه الشيخان عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال بالنيات".

المذهب الثالث: يرى أن طلاق الغضبان صحيح ونافذ في ذاته إلا في غياب العقل بالكلية، فلا أثر للغضب الذي لا يخرج صاحبه عن أدنى الوعي على صيغته. وهو مذهب الجمهور قال به المالكية والشافعية والحنابلة. وحجتهم: (1)أن استقرار العقود والمعاملات من المقاصد الشرعية؛ حتى لا تضطرب مصالح الناس. وهذا يستوجب الحكم بلزوم العقود التي تترتب عليها حقوق للآخرين دون اعتبار لعذر الغضب؛ لأن كل أحد يستطيع أن يدعي الغضب لإبطال تصرفه مما يهز أصول المعاملات. (2)أن حديث "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" الذي صححه الحاكم قد تعقبه الذهبي وقال هو ضعيف الإسناد، كما ضعفه ابن حجر العسقلاني فلا حجة فيه. وعلى التسليم بصحته فإن المقصود بالإغلاق الإكراه كما ذهب إلى ذلك أكثر أهل العلم. (3)أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ ظهار أوس بن الصامت في حال غضبه، فيقاس عليه الطلاق في حال الغضب. فقد أخرج ابن حبان بسند صحيح عن خويلة بنت ثعلبة قالت: في والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله جل وعلا صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه وضجر، قالت: فدخل علي يومًا فراجعته في شيء فغضب، وقال: أنت علي كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل علي فإذا هو يريدني على نفسي، قالت: قلت: كلا ونفس خويلة بيده لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ما لقيت منه، فجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه". قالت: فوالله ما برحت حتى نزل القرآن بأوائل سورة المجادلة وفيها كفارة الظهار. (4)وأخرج الدارقطني والجوزجاني بإسناد صحيح عن ابن عباس، أن رجلًا قال له: إني طلقت امرأتي ثلاثًا وأنا غضبان؟ فقال ابن عباس: لا أستطيع أن أحل لك ما حرم الله عليك، عصيت ربك وحرمت عليك امرأتك. إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا ثم قرأ: "إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن" (الطلاق:1).

 

المبحث السابع

طلاق المكره

الإكراه في اللغة هو القهر، ويطلق على حمل إنسان على فعل شيء بغير رضاه قسرًا. تقول: أكرهت فلانًا إكراهًا. أي حملته على أمر يكرهه. والإكراه في اصطلاح الفقهاء هو فعل بغير حق يفعله الإنسان بغيره فيزول به رضاه أو يفسد به اختياره. وإنما اشترط في فعل الإكراه أن يكون بغير حق لتمكين القاضي من إنفاذ الطلاق في حال تعسف الزوج؛ إذ لا سبيل لرفع الظلم ولإقامة العدل إلا بذلك.

ولا يأبى الفقه من حيث المبدأ تقسيم المذهب الحنفي هذا الإكراه إلى قسمين: (1)إكراه ملجيء، وهو الإكراه الكامل الذي يعدم الرضا بالكلية ويوجب الإلجاء، ويكون بما يخاف على نفسه أو عضوه كالإكراه بالقتل أو بالقطع. (2)إكراه غير ملجيء، وهو الإكراه القاصر الذي يعدم الرضا ولا يوجب الإلجاء، ويكون بما لا يخاف على نفسه ولا على تلف عضو من أعضائه كالإكراه بالضرب الشديد أو بالحبس. ويدخل في حكمه أن تطلب الزوجة طلاقها وهي في حال ثورة الغضب بما يخشى عليها من أن تضر نفسها، فيطلقها لإطفاء ثورتها.

ويرى المذهب الحنفي أن الإكراه إذا كان ملجئًا فإنه يفسد الاختيار ويبطل العقود، وإذا كان الإكراه غير ملجيء فإنه لا يفسد الاختيار؛ لأنهم يفرقون بين الرضا وبين الاختيار. ويترتب على ذلك التفريق في العقود بين ما يقبل منها الفسخ كالبيع والإجارة والهبة والإقرار فهذه لا تصح مع الإكراه ويكون للمكره حق الإمضاء أو الفسخ بعد زوال حالة الإكراه، وبين ما لا يقبل الفسخ من العقود كالزواج والطلاق والخلع فهذه تصح مع الإكراه وتلزم؛ لأنه يستوي فيها الجد والهزل. أما جمهور الفقهاء فيرى أن فساد الاختيار يرجع إلى عدم وجود الرضا وتمامه بما يبطل العقد؛ لأنهم لا يفرقون بين الرضا وبين الاختيار.

وهل يتحقق الإكراه بالتوعد أم بالمباشرة؟ خلاف بين الفقهاء على ثلاثة مذاهب. (1)يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية ورواية للحنابلة أن التوعد بالمكروه يكون إكراهًا إذا غلب على ظنه أنه يفعل؛ احتياطًا لحفظ الحقوق. (2)ويرى الحنابلة في رواية ثانية أن التوعد بالمكروه ليس إكراهًا إلا أن يباشر به؛ لإثبات الجدية. (3)ويرى الحنابلة في رواية ثالثة أن التوعد بالمكروه يختلف، فإن كان بالقتل أو بالقطع فهو إكراه، وإن كان بغير ذلك فلا يكون إكراهًا إلا بالمباشرة؛ لعدم تدارك ما يفوت بالقتل أو بالقطع.

وهل يشترط في التهديد بالمكروه أن يكون عاجلًا حتى تتحقق صفة الإكراه، أم يتحقق التهديد بالمكروه في المستقبل؟ خلاف بين الفقهاء على مذهبين. (1)يرى جمهور الفقهاء أن التهديد بالمكروه لا يكون إكراهًا إلا إذا كان عاجلًا؛ لأن التهديد بالمكروه في المستقبل قد لا يتحقق إما بالتراجع أو بالاحتماء بالسلطان. (2)ويرى المالكية أنه لا يشترط في التهديد بالمكروه أن يكون عاجلًا حتى تتحقق صفة الإكراه، وإنما الشرط لتحقق صفة الإكراه أن يكون الخوف من حدوث المكروه حالًا؛ لأن هذا هو ما يؤثر على الإرادة.

واختلف الفقهاء في حكم وقوع الطلاق في حال الإكراه لعدة أسباب منها: (1)تعارض مصلحة استقرار الأوضاع في عقود الزواج والطلاق والخلع التي لا تحتمل التردد والتي تستوجب الحكم بصحة تلك العقود في الجد والهزل، وبين مصلحة تعظيم الإرادة وتحقق الرضا التي تستوجب عدم اعتبار العقد الخالي عن إرادة عاقده ورضاه. (2)اختلاف الفقهاء في حجية الأحاديث الواردة بسند ضعيف والتي تفيد صحة وقوع الطلاق حال الإكراه، ومن ذلك ما أورده ابن نجيم الحنفي (ت970هـ) في "البحر الرائق"، وأورده ابن حزم (ت456هـ) في "المحلى" ووصف سنده بأنه في غاية السقوط عن صفوان بن عمرو الأصم الطائي عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رجلًا جلست امرأته على صدره وجعلت السكين على حلقه، وقالت له: طلقني أو لأذبحنك؟ فناشدها الله تعالى، فأبت فطلقها ثلاثًا. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا قيلولة في الطلاق". وفي رواية ثانية عند ابن حزم في "المحلى" من طريق سعيد بن منصور عن صفوان بن عمرو بن الأصم الطائي قال: إن رجلًا جلست امرأته على صدره فوضعت السكين على فؤاده وهي تقول: لتطلقني أو لأقتلنك؟ فطلقها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "لا قيلولة في الطلاق". وما أخرجه الترمذي بسند ضعيف جدا، كما ذكر الألباني، والصحيح أنه موقوف على أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله"، وأخرجه الطحاوي من أقوال الإمام علي بلفظ: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه"، كما أخرجه عن رجاء بن حيوه أنه قال: قرأ علينا عبد الملك بن مروان كتابًا من معاوية فيه السنن أن "كل طلاق جائز إلا طلاق المجنون". (3)اختلاف الفقهاء في صحة قياس الطلاق في حال الإكراه على الطلاق في حال الهزل الذي ورد في شأنه ما أخرجه أصحاب السنن الأربعة إلا النسائي بسند فيه مقال وصححه الحاكم وحسنه الألباني. ونقل الزيلعي في "نصب الراية" عن ابن القطان أنه معل بجهالة أحد رواته، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة". (4)اختلاف الفقهاء في دلالة وحجية ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه وتعقبه الذهبي بإعلاله لضعف أحد رواته، وحسنه الألباني عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق".

ويمكن إجمال أقوال الفقهاء في حكم الطلاق حال الإكراه بغير حق في المذهبين الآتيين:

المذهب الأول: يرى أن الطلاق الواقع بالإكراه بدون حق باطل، فهو والعدم سواء. وهذا مذهب جمهور الفقهاء قال به المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والإمامية في الجملة. وحجتهم: (1)ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق". قال الإمام الباجي المالكي (ت474هـ) في "المنتقى"، والإمام البغوي الشافعي (ت516هـ) في "شرح السنة"، والإمام ابن الجوزي الحنبلي (ت597هـ) في "غريب الحديث": الإغلاق هو الإكراه كأنه يغلق عليه الباب ويحبس حتى يطلق. (2)أن الرضا أساس العقود، فلا عبارة لعديم الإرادة أو ناقصها؛ لما أخرجه ابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". (3)أن الواقع في حال إكراه منعدم الإرادة والقصد فكان حكمه كالمجنون المرفوع عنه القلم فيما أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي وصححه الحاكم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق". (4)ما روي عن بعض كبار الصحابة إبطالهم للطلاق حال الإكراه، ومن ذلك ما أورده ابن حزم في "المحلى" عن قدامة الجمحي، أن رجلًا تدلى بحبل ليشتار عسلًا فأتت امرأته فقالت له: لأقطعن الحبل أو لتطلقني؟ فناشدها الله تعالى فأبت، فطلقها. فلما ظهر أتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فقال له عمر: ارجع إلى امرأتك فإن هذا ليس بطلاق. قال ابن حزم: وروي عن الحسن أن علي بن أبي طالب كان لا يجيز طلاق المكره، وعن ثابت الأعرج أنه سأل ابن عمر وابن الزبير عن طلاق المكره فقالا جميعًا: "ليس بشيء".

المذهب الثاني: يرى أن الطلاق الواقع بالإكراه بدون حق صحيح ونافذ. وهذا مذهب الحنفية وهو قول الزهري وقتادة وسعيد بن جبير، وروي عن عمر وعلي بن أبي طالب. وحجتهم: (1)أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى التعليلات من القيل والقال في الطلاق لاستقرار أوضاعه بحسب ظاهره وعدم احتماله الفسخ كعقد الزواج، ومن ذلك ما ذكره فقهاء الحنفية وأنكره ابن حزم بشدة عن صفوان بن عمرو الأصم الطائي: أن رجلًا هددته امرأته بالسكين أن يطلقها فطلقها ثلاثًا، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لا قيلولة في الطلاق". قال النسفي في "طلبة الطلبة": أي لا رجوع ولا فسخ. (2)أن النبي صلى الله عليه وسلم صحح وقوع طلاق الهازل وكل طلاق إلا للمغلوب على عقله؛ لخطورة الطلاق. مما يستوجب تقديم مصلحة استقرار وضعه الظاهري على أي مصلحة أخرى ولو كانت الرضائية في العقود، فقد أخرج الترمذي بسند ضعيف جدا والصحيح وقفه على أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله  "، وأخرج أصحاب السنن الأربعة إلا النسائي بسند فيه مقال عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة".

 

المبحث الثامن

طلاق السكران

السكر في اللغة نقيض الصحو، والسكران خلاف الصاحي. والعرب تقول: ذهب بين الصحو والسكرة، أي بين أن يعقل ولا يعقل. وقال تعالى: "وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد" (الحج:2)، وفي قراءة: "سكرى وما هم بسكرى"، أي أنك تراهم سكارى من العذاب والخوف وما هم بسكارى  من الشراب.

وأما حد السكر في اصطلاح الفقهاء فقد ذهب أكثرهم إلى أنه الذي يخلط صاحبه كلامه المنظوم ويكشف سره المكتوم فيأتي بما لا يعقل وبما لا يأتي به إذا لم يكن سكران، حتى وإن أتى بما يعقل في خلال ذلك؛ لأن المجنون قد يأتي بما يعقل ويتحفظ من السلطان ومن سائر المخاوف. وذهب الإمام أبو حنيفة والمزني من الشافعية إلى أن حد السكر يختلف في باب العقود والتصرفات عنه في باب الحدود والعقوبات. أما في باب العقود والتصرفات فلا يختلف عن تعريف الجمهور سالف الذكر، وأما حد السكر  في باب الحدود والعقوبات فيشترط لتحققه نشوة تزيل العقل بالكلية بحيث لا يعرف السماء من الأرض ولا الرجل من المرأة. واختلف الفقهاء في حكم طلاق السكران على مذهبين.

المذهب الأول: يرى أن طلاق السكران لغو باطل وهو في حكم العدم، سواء أكان السكران متعديًا بسكره وعاصيًا بذنبه أم كان السكران معذورًا بسكره كالمخطيء أو المغلوب على أمره. وهو قول عند الحنفية اختاره الطحاوي والكرخي، وقول عند الشافعية اختاره المزني، ورواية عند الحنابلة اختارها أبو بكر عبد العزيز، وهو مذهب الظاهرية والإمامية، وروي عن عثمان بن عفان، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطاوس وربيعة شيخ الإمام مالك والقاسم بن محمد والليث بن سعد وغيرهم. وحجتهم: (1)أن السكران لا تصح منه الصلاة فكذلك لا تصح منه العقود والتصرفات، ويدل على عدم صحة صلاة السكران قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" (النساء:43). يقول ابن حزم في "المحلى": فبين الله تعالى أن السكران لا يعلم ما يقول، ومن خلط فأتى بما يعقل وما لا يعقل فهو سكران؛ لأنه لا يعلم ما يقول. ومن أخبر الله تعالى أنه لا يدري ما يقول فلا يحل أن يلزم شيئًا من الأحكام لا طلاقًا ولا غيره؛ لأنه غير مخاطب فليس من ذوي الألباب. (2)أن السكران غائب العقل، فكان حكمه كالمجنون الذي رفع عنه القلم فيما أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي وصححه الحاكم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق". (3)أن عدم اعتبار طلاق السكران هو قول بعض السلف منهم عثمان بن عفان وعمر بن عبد العزيز ممن لا يكون ذلك منهم إلا عن توقيف؛ لحسن الظن بهم فوجب العمل بقولهم. ومن هذه الأقوال ما رواه ابن حزم في "المحلي" بسنده، أن عمر بن عبد العزيز أتي بسكران طلق امرأته فاستحلفه بالذي لا إله إلا هو لقد طلقها وهو لا يعقل، فحلف، فرد إليه امرأته وضربه الحد. (4)ويدل على أنه لا فرق بين زوال العقل بمعصية أو زواله بغير معصية في أحكام التصرفات ما ذكره ابن حزم في "المحلى" من أن من كسر ساقيه متعمدًا بالعدوان على نفسه جاز له أن يصلي قاعدًا، وأن المرأة لو ضربت بطن نفسها عدوانًا فنفست سقطت عنها الصلاة.

المذهب الثاني: يرى التفريق في طلاق السكران بين أن يكون سكره بمعصية فنحكم بوقوع طلاقه وصحته، وبين أن يكون سكره بغير معصية كالمخطيء والمغلوب على أمره فنحكم بعدم وقوع طلاقه أو بطلانه. وهو مذهب جمهور الفقهاء قال به أكثر الحنفية وهو مذهب المالكية والأظهر عند الشافعية ورواية عند الحنابلة اختارها أبو بكر الخلال والقاضي، وروي عن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري وابن سيرين والشعبي والنخعي والثوري. وحجتهم: (1)أن الصحابة جعلوا السكران المتعدي بسكره كالصاحي في الحد بالقذف فيأخذ حكمه في وقوع الطلاق. ويدل على إلحاق السكران المتعدي بالصاحي في الحد بالقذف ما أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه عن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب، فأتيته وهو في المسجد معه عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة؟ فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم؟ فقال علي بن أبي طالب: نراه إذا سكر هذي وإذا هذي افترى، وعلى المفتري ثمانون. فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال، فجلد خالد ثمانين، وجلد عمر ثمانين. وكان عمر إذا أتي بالرجل القوي المنهمك في الشراب جلده ثمانين، وإذا أتي بالرجل الضعيف التي كانت منه الزلة جلد أربعين. ثم جلد عثمان ثمانين وأربعين. (2)أن عمر بن الخطاب أوقع طلاق السكران المتعدي بسكره، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعًا. ويدل لذلك ما رواه ابن حزم في "المحلى" بسنده عن يحي بن عبيد عن أبيه، أن رجلًا من أهل عمان تملّأ من الشراب فطلق امرأته ثلاثًا فشهد عليه نسوة فكتب إلى عمر بذلك؟  فأجاز شهادة النسوة وأثبت عليه الطلاق. وفي رواية أخرى عن أبي لبيد أن رجلًا طلق امرأته وهو سكران فرفع إلى عمر بن الخطاب وشهد عليه أربع نسوة ففرق عمر بينهما. (3) أن المغلوب على أمره بالسكر كالمخطيء والمضطر معذور شرعًا؛ لما رواه ابن ماجه والحاكم والدارقطني بسند فيه مقال عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". أما المتعدي بسكره فليس له عذر شرعي فاستحق أن نجري عليه طلاقه رغم غياب عقله عقابًا له؛ لأن المعتدي لا يستحق الرأفة لعموم قوله تعالى: "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (البقرة:190).

 

المبحث التاسع

الطلاق بلفظ الثلاث

المقصود بالطلاق بلفظ الثلاث أن يوقعه الزوج موصوفًا بالثلاث كأن يقول لزوجته: أنت طالق ثلاثًا. وإذا ثبتت الطلقة الثالثة على الزوجة مفردة أو ضمن لفظ الثلاث عند من قال بصحة وقوعها بذلك لم يعد للزوج حق في الرجوع إلى تلك الزوجة إلا بعد أن تتزوج برجل آخر وتبين منه أي تنتهي رابطة الزوجية بينهما بحيث لا يكون لهذا الزوج الجديد أي ولاية على المرأة التي تصير خلية من جديد، فيصح للزوج الأول أن يتقدم إليها كسائر الخطاب؛ ولهذا توصف المرأة المطلقة ثلاثًا بأنها بائن بينونة كبرى، أو أن طلاقها صار باتًا يعني لا رجعة لها شرعًا إلى هذا المطلق إلا بعد الزواج برجل آخر وانتهاء هذا الزواج الأخير بوفاة الزوج أو طلاقه. ويدل لذلك قوله تعالى: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (البقرة:229). ثم قوله تعالى: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله" (البقرة:230).

وقد اختلف الفقهاء قديمًا في حكم الطلاق بلفظ الثلاث هل يأثم صاحبه أو لا يأثم، وإذا قلنا بأنه يأثم فهل يقع صحيحًا أو فاسدًا، وإذا قلنا يقع صحيحًا فهل يحتسب ثلاثًا أو يحتسب طلقةً واحدةً؟ ويرجع سبب اختلاف الفقهاء في ذلك إلى أسباب عديدة نذكر منها ما يلي:

(1)اختلاف الفقهاء في تفسير قوله تعالى: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (البقرة:229). هل يراد به أن يتم الطلاق على ثلاث مرات بدون جمع هذا العدد في كلمة واحدة أو كلمتين، أم يراد به إخبار الزوج بأن حقه على زوجته ثلاث تطليقات ويكون الحق له في إفرادها أو في جمعها؟ (2)اختلاف الروايات الحديثية التي يفيد بعضها احتساب الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة، وبعضها يفيد احتسابه ثلاث طلقات، كما سيأتي ذكر تلك الروايات في تفصيل المذاهب. (3)اختلاف الفقهاء في احتساب المعنى المستنبط من إعطاء الشرع للزوج على زوجته طلقتين رجعيتين للإرفاق به أن يكون متعجلًا. من أن يكون هذا المعنى قيدًا شرعيًا ملزمًا لا يسع الزوج خلافه، أو يكون هذا المعنى إعذارًا من الشرع غير ملزم حتى لا يلوم الزوج إلا نفسه إن اختار العجلة بإيقاع كامل حقه في الطلاق على زوجته. (4)اختلاف الفقهاء فيما ثبت تحريمه عندهم كالطلاق بوصف البدعة والزواج بوصف الشغار والمحلل مثلًا من أن يكون صحيحًا في ذاته مع الإثم؛ لكون أصله مشروعًا بدون هذا الوصف مع ما أخرجه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي والطبراني بسند فيه مقال عن ابن عمر وعن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحرم الحرام الحلال"، أو يحكم عليه بالبطلان لوقوعه على غير الوصف المشروع مع ما أخرجه الشيخان عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وفي رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". (5)ما ذكره ابن رشد في "بداية المجتهد" من اختلاف الفقهاء في الحكم الذي جعله الشرع من البينونة للطلقة الثالثة هل يقع بإلزام المكلف نفسه في طلقة واحدة أم ليس يقع ولا يلزم من ذلك إلا ما ألزم الشرع؟ فمن شبه الطلاق بالأفعال التي يشترط في صحة وقوعها كون الشروط الشرعية فيها كالنكاح والبيوع قال لا يلزم، ومن شبهه بالنذور والأيمان التي ما التزم العبد منها لزمه على أي صفة كان ألزم الطلاق كيفما ألزمه المطلق نفسه. (6)ما ذكره ابن رشد أيضًا من تعارض العمل بسد الذريعة الذي يقتضي حكم التغليظ في إيقاع الطلاق بلفظ الثلاث، مع العمل بالرخص الشرعية والرفق المقصود في إفراد الطلاق المشار إليه في قوله تعالى: "لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا"، بعد قوله تعالى: "إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن" (الطلاق:1).

ويمكن إجمال أقوال الفقهاء في حكم الطلاق بلفظ الثلاث في خمسة مذاهب نذكرها تباعًا فيما يلي:

المذهب الأول: يرى أن الطلاق بلفظ الإثنين أو بلفظ الثلاث بدعة محرمة وغير مشروع، وإذا حدث كان لغوًا ولا يقع به طلاق أبدًا. وهو قول حكاه ابن حزم في "المحلى" عن طائفة من أهل العلم، وهو أحد القولين عند الإمامية حكاه ابن أبي زكريا الهذلي (ت676هـ) في "شرائع الإسلام في الفقه الجعفري"، وحكاه ابن تيمية (ت728هـ) في "الفتاوى الكبرى" عن بعض المعتزلة والشيعة، كما حكاه ابن القيم (ت751هـ) في "زاد المعاد" وقال: "هذا قول حكاه أبو محمد ابن حزم، وحكي للإمام أحمد فأنكره، وقال هو قول الرافضة". واستدل أصحاب هذا القول بالآتي: (1)أن الله تعالى قد نص على أن يكون الطلاق مرة بعد مرة، فإذا لم يقع على الوجه المأذون به شرعًا كان لغوًا. يدل لذلك قوله تعالى: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (البقرة:229). قالوا: وهذا معناه أن يتم الطلاق الرجعي على دفعتين مرة بعد مرة؛ لأن العرب لا تعقل في لغتها وقوع المرتين إلا متعاقبتين، كما تقول: سير به مرحلتان، أي مرحلة بعد مرحلة. ألا ترى أن من أعطى درهمين لم يجز أن يقول أعطاه مرتين حتى يعطيه دفعتين. ثم قال تعالى بعد أن أخبرنا أن الطلاق مرتان: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره" (البقرة:230)، فهذه الطلقة الثالثة لم يشرعها الله تعالى إلا بعد الطلاق الرجعي مرتين، فعلم أن جميع الثلاث بلفظ واحد غير مشروع. (2)أن الله تعالى بين وجه الطلاق الذي لا يصح إلا به وهو أن يقع لمرة واحدة تتحرر له عدة، ويملك الزوج الرجعة على زوجته في الأوليين، فلا يكون طلاقًا إلا ما كان بهذه الصفة بحيث يترتب على كل طلقة عدة مستقلة لا تتداخل في عدة طلقة أخرى. ويدل لذلك آيات كثيرة منها قوله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة" إلى أن قال سبحانه: "فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف" (الطلاق:1-2)، وقوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا" (البقرة:228)، وقوله تعالى: "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوًا" (البقرة:231). فكل هذه الآيات تدل على أن لكل طلقة عدة مستقلة، ولها مقصود شرعي في تمكين الزوج من مراجعة زوجته في العدة،فلا يجوز إيقاع الطلاق بلفظ الإثنين أو الثلاث لعدم تحرير العدة في كل طلقة، فكان رهن صحة الطلاق برهن تحرير العدة له، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يمسك زوجته التي طلقها في الحيض، وأذن له أن يطلق في الطهر قبل المساس، وعلل ذلك بتحرير العدة، فقد أخرج مسلم عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة واحدة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء". (3)أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر الطلاق بلفظ الثلاث ولم يعده طلاقًا فلا يجوز اعتباره. ويدل على ذلك ما أخرجه النسائي برجال ثقات كما يقول ابن حجر، عن محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب الله تعالى وأنا بين أظهركم"؟ حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟. وأخرج أبو داود بسند ضعيف عن ابن عباس قال: طلق أبو ركانة أم ركانة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "راجع امرأتك"، فقال: إني طلقتها ثلاثًا. فقال صلى الله عليه وسلم: "قد علمت راجعها". إلا أن هذا الحديث معارض بأكثر رواياته التي تنص على أن ركانة كان يقصد طلقة واحدة، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم عدها واحدة فقال: "إنما تلك واحدة فارجعها إن شئت"، كما رواه أحمد في "مسنده". (4)إذا ثبت أن الطلاق بلفظ الثلاث يخالف ظاهر   القرآن والسنة ويفوت على الزوج مصلحة معتبرة في إمكان صلحه مع مطلقته فإن الواجب إبطاله؛ لما أخرجه الشيخان عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وفي رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".

واعترض على ذلك بما حكاه ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" عن الإمام أحمد أنه سئل عمن قال لا يقع الطلاق المحرم لأنه يخالف ما أمر به؟ فقال: "هذا قول سوء رديء"، ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض.

وأجيب عن ذلك بأن ثبوت التحريم في الطلاق يجعله والعدم سواء؛ لما أخرجه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي والطبراني بسند فيه مقال عن ابن عمر وعن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحرم الحرام الحلال"، يعني إذا ثبت تحريم الشيئ كالطلاق المحرم فإنه لا يرتب تحريم الزوجة الحلال. وإذا ثبت أن الطلاق بلفظ الثلاث محرم فإنه لا يرتب أثرًا في تحريم الزوجة، فيكون لغوًا.

المذهب الثاني: يرى أن الطلاق بلفظ الاثنين أو بلفظ الثلاث مشروع بوصف السنة أي الطريقة المستقيمة التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته وعرفها الناس، فإذا اختار الزوج طلاق زوجته بلفظ الثلاث فإنه يكون قد استعمل حقه الشرعي وطلقت زوجته بوصف الطلاق الثلاث البات أو البائن بينونة كبرى سواء أكان هذا الطلاق قبل الدخول أم بعده. وهو قول الشافعي وأبو ثور، ورواية عن الإمام أحمد اختارها الخرقي، وهو مذهب الظاهرية وانتصر له ابن حزم الظاهري ونسب القول به إلى أبي ذر، ورواه عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن مسعود وابن سيرين وغيرهم. وحجتهم مايلي:

(1)أن الله تعالى جعل للزوج طلقتين رجعيتين وثالثة بائنة، ولم يقيده بوصف الإفراد، فدل على جواز إيقاع الطلاق الثلاث مجموعة بلفظ واحد. قال تعالى: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" إلى أن قال تعالى: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره" (البقرة:229-230). قال ابن حزم في "المحلى": فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرقة، ولا يجوز أن يخص بهذه الآية بعض ذلك دون بعض بغير نص. وكذلك قوله تعالى: "إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها" (الأحزاب:49). قال ابن حزم: هذا عموم لإباحة الثلاث والإثنين والواحدة، وقوله تعالى: "وللمطلقات متاع بالمعروف" (البقرة:241) فلم يخص الله تعالى مطلقة واحدة من مطلقة اثنين ومن مطلقة ثلاثًا. (2)أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على من طلق في عهده ثلاثًا، كما ورد في الروايات التي تحكي قصة فاطمة بنت قيس التي طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة ثلاثًا، وفي قصة امرأة رفاعة القرظي التي طلقها ثلاثًا، وفي قصة الملاعن الذي طلق امرأته ثلاثًا. ونحكي ذلك تباعًا فيما يلي:

(أ)أما قصة فاطمة بنت قيس فقد أخرجها مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس قالت: إن أبا حفص ابن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثًا ثم انطلق إلى اليمين، فقال لها: ليس لك علينا نفقة. فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثًا فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس لها نفقة وعليها العدة"، وفي رواية أخرى لمسلم عن فاطمة بنت قيس قالت: أرسل إلي زوجي أبو عمرو ابن حفص بن المغيرة عياش بن أبي ربيعة بطلاقي وأرسل معه بخمسة آصع تمر وخمسة آصع شعير، فقلت: أما لي نفقة إلا هذا، ولا أعتد في منزلكم؟ قال: لا. قالت: فشددت علي ثيابي وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كم طلقك"؟ قلت: ثلاثًا. قال: "صدق ليس لك نفقة اعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم فإنه ضرير البصر تلقى ثوبك عنده، فإذا انقضت عدتك فآذنيني". قالت: فخطبني خطاب منهم معاوية وأبو الجهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن معاوية ترب خفيف الحال، وأبو الجهم منه شدة على النساء، أو يضرب النساء، أو نحو هذا، ولكن عليك بأسامة بن زيد". كما أخرج مسلم عن فاطمة بنت قيس قالت: يا رسول الله زوجى طلقني ثلاثًا، وأخاف أن يقتحم علي. قال: فأمرها فتحولت. قال ابن حزم في "المحلى": "فهذا نقل تواتر عن فاطمة بنت قيس بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها هي ونفر سواها بأن زوجها طلقها ثلاثًا، وبأنه صلى الله عليه وسلم حكم في المطلقة ثلاثًا ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولا أخبر بأنه ليس بسنة، وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه".

وقد عورض هذا الدليل بما ذكره ابن حزم وأجاب عنه فقال: "وأما رواية مسلم عن أبي سلمة أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث تطليقات، وذكرت باقي الخبر. قلنا: نعم إلا أن هذا الخبر ليس فيه أن أحدًا أخبر الرسول بأنها آخر ثلاث تطليقات، وإنما المسند الصحيح الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن كمية طلاقها وأنها أخبرته بأن زوجها طلقها ثلاثًا، وعلى هذا الإجمال جاء حكم النبي صلى الله عليه وسلم". قلت: ويؤيد هذا رواية الإمام أحمد للحديث في "مسنده"، وفيها: "أن فاطمة خاصمت أخا زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما أخرجها من الدار ومنعها النفقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما لك ولابنة قيس"؟ قال: يارسول الله إن أخي طلقها ثلاثًا جميعًا". وذكر الحديث. وأخرج مسلم عن الشعبي أنه سأل فاطمة بنت قيس عن المطلقة ثلاثًا أين تعتد؟ فقالت: طلقني بعلي ثلاثًا فأذن لي النبي صلى الله عليه وسلم أن أعتد في أهلي.

ويلاحظ أن روايات مسلم اختلفت في ذكر اسم زوج فاطمة بنت قيس، فوقع في بعضها أنه "أبوحفص بن المغيرة" ووقع في بعضها أنه "أبو عمرو بن حفص"؟ ويجيب عن ذلك ابن عبد البر (ت463) في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" بأن اسم أبا حفص بن المغيرة خطأ، والصواب ما قاله مالك أن اسمه أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم قيل اسمه عبد الحميد.

(ب)وأما قصة امرأة رفاعة القرظي فقد أخرجها الشيخان، وهي عند مسلم عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وأن ما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". وفي رواية للبخاري ومسلم عن عائشة قالت: طلق رجل امرأته ثلاثًا فتزوجها رجل آخر ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها الأول أن يتزوجها فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: "لا حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول". قال ابن حزم: "فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا السؤال الذي فيه أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا فتزوجت بآخر ثم طلقها قبل الدخول فأراد زوجها الأول أن يتزوجها؟ فلو كان الطلاق ثلاثًا لا يجوز لأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك".

واعترض على هذا الدليل بمثل ما عورض به الاستدلال من حديث فاطمة بنت قيس، وهو أنه ورد في الصحيحين رواية أخرى عن عائشة أن رفاعة القرظي طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير، فقالت: يارسول الله إن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات. وذكرت باقي الخبر. وأجاب عن ذلك ابن حزم بأنه ليس في شيء من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على أن هذه الطلقة آخر ثلاث تطليقات أي متفرقات، وإنما الثابت هو ذكر الطلاق الثلاث بالإجمال.

(ج)وأما قصة الملاعن الذي طلق امرأته ثلاثًا فقد أخرجها الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي، أن عويمر العجلاني جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها". قال سهل: فتلاعنا، فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يارسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن حزم: "لو كان الطلاق الثلاث مجموعة معصية لله تعالى لما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيان ذلك فصح يقينًا أنها سنة مباحة".

واعترض على ذلك بما ذكره ابن حزم وأجاب عنه فقال: "إن قيل بأنه طلقها بعد اللعان وقد صارت أجنبية عنه. قلنا: إنما طلقها وهو يقدر أنها امرأته، هذا ما لا يشك فيه أحد، فلو كان ذلك معصية لسبقكم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الاعتراض، فإنما حجتنا كلها في ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنكار على من طلق ثلاثًا مجموعة امرأة يظنها امرأته، ولا يشك أنها في عصمته فقط".

(3)أنه روي عن بعض كبار الصحابة وعن أكثر التابعين الحكم بإيقاع الطلاق بلفظ الثلاث دون إنكار، ولا يكون ذلك منهم إلا عن توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسن الظن بهم. ومن ذلك ما رواه ابن حزم أنه رفع إلى عمر بن الخطاب برجل طلق امرأته ألفًا؟ فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال: إنما كنت ألعب، فعلاه عمر بالدرة وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث. فإنما ضربه عمر على الزيادة على الثلاث. كما روي عن الإمام علي أنه جاءه رجل فقال: إني طلقت امرأتي ألفًا؟ فقال له علي: بانت منك بثلاث، واقسم سائرهن بين نسائك. كما روي عن عثمان بن عفان أن رجلًا جاءه فقال: طلقت امرأتي ألفًا؟ فقال: بانت منك بثلاث. وروي عن ابن عباس أن رجلًا قال له: طلقت امرأتي ألفًا؟ فقال: ثلاث تحرمها عليك وبقيتها عليك وزرًا، اتخذت آيات الله هزوًا. وروي عن ابن مسعود أن رجلًا قال له إني طلقت امرأتي تسعًا وتسعين؟ فقال: ثلاث تبينها وسائرهن عدوان. كما روي عن الشعبي أن رجلًا جاء لشريح القاضي فقال: طلقت امرأتي مائة؟ فقال: بانت منك بثلاث، وسبع وتسعون إسراف ومعصية.

(4)أن أمر الطلاق مرجعه إلى الزوج، وقد اختار أن يوقع حقوقه الثلاثة فيها مرة واحدة، فكان الأمر إليه كالنذر واليمين الذي يلزم صاحبهما.

(5)أن طلاق غير المدخول بها ثلاثًا صادف الزوجية فوقع الجميع كما لو قال ذلك للمدخول بها. ويدل لذلك ما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال في طلاق البكر ثلاثًا؟ الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره.

المذهب الثالث: يرى أن الطلاق بلفظ الاثنين أو بلفظ الثلاث محرم أو مكروه في وصفه. أما أصله فصحيح ونافذ للمدخول بها وغير المدخول بها على السواء. وهو مذهب الجمهور قال به الحنفية والمالكية والرواية المتأخرة عن الإمام أحمد، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وأنس بن مالك، وغيرهم كثير من الصحابة والتابعين، وبه قال ربيعة والأوزاعي وابن أبي ليلى. ويلاحظ أن هذا المذهب يتفق مع المذهب الثاني الذي ذهب إليه الشافعية والظاهرية في الحكم بصحة الطلاق بلفظ الإثنين أو بلفظ الثلاث إلا أن الفرق بينهما هو في ثبوث الإثم من عدمه، فيرى أصحاب المذهب الثاني عدم الإثم؛ لأنه في نظرهم طلق بصفة السنة. ويرى أصحاب المذهب الثالث تأثيم المطلق بلفظ الإثنين أو بلفظ الثلاث؛ لأنه في نظرهم طلق بصفة البدعة. ويدل لأصحاب المذهب الثالث مايلي:

(1)أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم احتساب الطلاق بلفظ الثلاث ثلاثًا مع وصفه بالبدعة، ومن ذلك: ما أخرجه الدارقطني والبيهقي بسند فيه ضعيف عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا ألزمناه بدعته". وأخرج الدارقطني بسند فيه مجهولون وضعفاء عن عبادة بن الصامت قال: طلق بعض آبائي امرأته ألفًا فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يارسول الله، إن أبانا طلق أمنا ألفًا فهل له من مخرج؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجًا. بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه". وأخرج ابن النجار والدارقطني بسند ضعيف عن علي بن أبي طالب قال: "سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا طلق البتة فغضب، وقال: "أتتخذون آيات الله هزوًا، أو دين الله هزوًا ولعبًا. من طلق البتة ألزمناه ثلاثًا لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره". وأخرج الدارقطني بسند فيه مقال من حديث الحسن البصري، عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخراوين عند القرءين، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء". قال: فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فراجعتها، ثم قال: "إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك"، فقلت: يارسول الله أرأيت لو أني طلقتها ثلاثًا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: "لا، كانت تبين منك وتكون معصية".

(2)أن آخر إجماع الصحابة في عهد عمربن الخطاب هو في احتساب الطلاق بلفظ الثلاث ثلاثًا للمدخول بها ولغير المدخول بها على السواء، وإن كان معصية لمخالفته صفة الطلاق المفرد الذي كان عليه حال الطلاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلزم الحكم بوقوعه عملًا بهذا الإجماع الذي يدل عليه ما أخرجه البيهقي وأبو داود بسند ضعيف عن طاوس أن رجلًا يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم.

وعملًا بهذه الرواية الضعيفة حكى بعض أئمة العلم الإجماع على احتساب الطلاق بلفظ الثلاث ثلاثًا وإن كان معصية، ومن هؤلاء أبو بكر الرازي في "أحكام القرآن"، والقاضي الباجي في "المنتقى"، وابن العربي في "الناسخ والمنسوخ"، وفي "أحكام القرآن"، وابن رجب في "مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة". 

(3) أن طلاق غير المدخول بها ثلاثًا قد صادف محلًا فوجب احتسابه؛ قياسًا على طلاق المدخول بها. ولا يقال إن غير المدخول بها تبين من طلقة واحدة، فقد أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال في طلاق البكر ثلاثًا؟ الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره.

المذهب الرابع: يرى أن الطلاق بلفظ الإثنين أو بلفظ الثلاث محرم أو مكروه ويقع ثلاثًا بالمدخول بها، ويقع واحدة لغير المدخول بها. وهو قول ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير وطاوس وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وجابر بن زيد، وهو مذهب اسحاق بن راهوية وبه جزم زكريا الساجي من الشافعية. وحجتهم: أن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها: أنت طالق، فإذا قال ثلاثًا لغي العدد؛ لوقوعه بعد البينونة.

المذهب الخامس: يرى أن الطلاق بلفظ الإثنين أو بلفظ الثلاث بدعة مخالف للسنة فيجب تصحيحه بإنفاذه طلقة واحدة رجعية سواء أكان هذا الطلاق قبل الخول أم بعده، فهو لما خالف السنة وجب رده إلى السنة. وهو قول عن ابن عباس، ومذهب محمد بن اسحاق والحجاج بن أرطأة، وبه قال عكرمة والحسن البصري واختاره ابن تيمية وابن القيم، وهو القول الثاني عند الإمامية. قال ابن رشد في "بداية المجتهد": "هذا قول أهل الظاهر وجماعة". وقد وصف القاضي الباجي المالكي أصحاب هذا القول بالمبتدعة فقال في "المنتقى": "حكى القاضي أبو محمد في "إشرافه" عن بعض المبتدعة يلزمه طلقة واحدة، وإنما يروى هذا عن الحجاج بن أرطأة ومحمد بن اسحاق". وأفاد ابن تيمية بأن هذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف، فقال في "مجموع الفتاوى" في بيان حكم الطلاق بلفظ الثلاث: "الثالث أنه محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة، وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان، وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم مثل طاوس وخلاس بن عمرو ومحمد بن اسحاق وهو قول داود وأكثر أصحابه، ويروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر بن محمد، ولهذا ذهب إلى ذلك من ذهب من الشيعة، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل". واحتج أصحاب هذا المذهب بما يلي:

(1)أن احتساب الطلاق بلفظ الثلاث واحدة كان عليه إجماع الأمة أول الأمر، فقد أخرج مسلم عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم. قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": ولم تجمع الأمة ولله الحمد على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنًا بعد قرن إلى يومنا هذا، فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وأفتى به أيضًا الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعلي وابن مسعود.

(2)أن احتساب الطلاق بلفظ الثلاث واحدة هو قضاء النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد صححه الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا. قال: فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف طلقتها"؟ قال: طلقتها ثلاثًا. فقال صلى الله عليه وسلم: "في مجلس واحد"؟ قال: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: "فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت". قال: فراجعها. وفي رواية عند ابن ماجه وأبي داود بسند فيه مقال، عن ابن عباس، أن ركانة طلق امرأته سهيمة البتة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أردت بها"؟ قال: واحدة. فقال صلى الله عليه وسلم: "آلله ما أردت بها إلا واحدة"؟ قال: آلله ما أردت بها إلا واحدة. قال: فردها عليه.

(3)أن النبي صلى الله عليه وسلم رد طلاق البدعة الثلاث إلى السنة باحتسابه واحدة، فقد أخرج الدارقطني عن أبي الزبير قال: سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض؟ فقال: أتعرف ابن عمر؟ قال: نعم. قال: طلقت امرأتي ثلاثًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض. فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة. فهذا دليل على أنه طلقها ثلاثًا بالفعل وردت إلى الواحدة.

(4)أن احتساب الطلاق الثلاث واحدة روي عن ابن عباس وغيره من السلف مما يدل على أن له سند في السنة، فقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن ابن عباس قال: إذا قال أنت طالق ثلاثًا بفم واحد فهي واحدة.

(5)أن الرفق بالزوجين يقتضي احتساب الطلاق بلفظ الثلاث واحدة؛ لأن الله تعالى أخبرنا بعد بيانه لأمر الطلاق أن يكون لعدته بقوله سبحانه: "لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا" (الطلاق:1)، أي بصلح الزوجين ومراجعة الزوج لزوجته، وهذا لا يتحقق باحتساب الطلاق بلفظ الثلاث ثلاثًا.

 

المبحث العاشر

الطلاق البدعي

المقصود بالطلاق البدعي هو هذا الطلاق المخالف لما يوصف بالطلاق السني. والمقصود بالطلاق السني هو هذا الطلاق الموافق للطريقة أو السنة التي يرتضيها الفقيه المسلم من خلال فهمه وقناعته لنصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية في وقت إيقاع الطلاق وعدده. وليس المقصود بالطلاق السني أنه المندوب أو المستحب؛ لما أخرجه الحاكم وصححه كما أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند ضعيف عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الحلال عند الله الطلاق". وعلى هذا فإن الفيصل في وصف الطلاق بأنه سني أو بأنه بدعي هو اجتهاد الفقيه وفهمه لدلالة النصوص الشرعية في وقت الطلاق وعدده وليس النص الشرعي ذاته، وهذا هو السبب في تعدد الآراء الفقهية في تعريف الطلاق البدعي، كما أن الأثر المترتب على وصف الطلاق بأنه سني أو بأنه بدعي من حيث الحرمة أو الكراهة ومن حيث الاعتبار وعدمه حكم فقهي وليس نصًا شرعيًا حتى لا يتعالى فقيه على آخر متوهمًا وصف اجتهاده بالحق المطلق ووصف اجتهاد غيره بالباطل المطلق، فكلا الاجتهادين يوصف بأنه صواب يحتمل الخطأ، وهذا هو السبب في قول النبي صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد فيما أخرجه أحمد بسند حسن: "استفت نفسك استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك"، فكل اجتهاد فقهي مهما بلغ شأن صاحبه لا يعدو أن يكون اختيارًا فقهيًا لعامة الناس الذين يمتلكون حق انتقاء الرأي الفقهي الذي يحقق مصالحهم وحق الانتقال من رأي فقهي إلى رأي فقهي آخر كلما وجدوا لذلك مسوغًا لتيسير مصالحهم بدون وصاية الفقهاء المجتهدين والذين ينتهي دورهم بتقديم كل منهم اجتهاده للناس، ثم تكون السيادة بعد ذلك لكل الناس سواسية؛ لما أخرجه ابن عدي في "الكامل" بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل بني آدم سيد".

وسوف نعالج قضية الطلاق البدعي في فرعين. أحدهما نبين فيه تعريف الطلاق البدعي عند الفقهاء، والثاني نذكر فيه الأثر المترتب على وصف الطلاق بالبدعي عند الفقهاء.

 

الفرع الأول  

تعريف الطلاق البدعي عند الفقهاء

يرجع الفقهاء تعريف الطلاق البدعي والتفرقة بينه وبين الطلاق السني إلى أمرين. أحدهما العدد، والآخر الوقت. ونبين ذلك فيما يلي.

الأمر الأول: العدد في الطلاق البدعي

الأصل في الطلاق أن يقع على الزوجة مرة واحدة، ولا يردفه بطلقة ثانية أو ثالثة حتى تنتهي عدتها وتصير بائنًا منه، وهذا هو الطلاق السني؛ لأنه الموافق لحكمة مشروعية الطلاق. فإن طلقها مرتين أو ثلاثًا بلفظ واحد، أو بألفاظ متفرقات في الطهر الأول للطلاق أو في الأطهار التالية له خلال العدة، فقد اختلف الفقهاء في وصفه بالبدعي على مذهبين في الجملة.

المذهب الأول: يرى أن كل طلاق يقع بلفظ الاثنين أو الثلاثة مجتمعًا قبل الدخول أو بعده، أو يقع متفرقًا للمدخول بها أثناء عدتها سواء في الطهر الأول منها أو في الأطهار التالية له فهو طلاق بدعي. وهو مذهب الحنفية والمالكية ورواية لأحمد في الجملة. واستثنى الحنفية صورة طلاق المدخول بها إذا وقع الطلاق في الطهر الأول ثم أردفه بالطلاق ثانية في الطهر الثاني خلال العدة قبل المساس، ثم أردفه بالطلاق ثالثة في الطهر الثالث خلال العدة وقبل المساس فإن هذا الطلاق الثاني والثالث يكون على وصف السنة عند الحنفية ورواية عند الحنابلة؛ خلافًا للمالكية الذين وصفوه بالبدعة. وحجة أصحاب هذا المذهب في عموم قوله تعالى: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (البقرة:229). قالوا: وهذا معناه أن يتم الطلاق الرجعي على دفعتين مرة بعد مرة؛ لأن العرب لا تعقل في لغتها وقوع المرتين إلا متعاقبتين. ثم قال تعالى: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره" (البقرة:230). قالوا: فهذه الطلقة الثالثة لم يشرعها الله تعالى إلا بعد الطلاق الرجعي مرتين، فلا يكون طلاقًا سنيًا إلا ما كان بهذه الصفة بحيث يترتب على كل طلقة عدة مستقلة لا تتداخل في عدة طلقة أخرى.

المذهب الثاني: يرى أن كل طلاق يقع بلفظ الاثنين والثلاثة مجتمعًا قبل الدخول أو بعده أو متفرقًا للمدخول بها أثناء عدتها فهو طلاق سني ويقع بعدده. وهو مذهب الشافعية والمشهور عند الحنابلة ومذهب الظاهرية كما نص عليه ابن حزم في "المحلى". وقد ذكر ابن رشد في "بداية المجتهد" عن أهل الظاهر وجماعة أنهم قالوا إن الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الواحدة ولا تأثير للفظ في ذلك. وحجتهم: عموم قوله تعالى: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" إلى أن قال تعالى: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره" (البقرة:229-230). قال ابن حزم: "فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرقة ولا يجوز أن يخص بهذه الآية بعض ذلك دون بعض بغير نص".

الأمر الثاني: وقت الطلاق البدعي

الأصل في الطلاق أن يقع على الزوجة في زمن حملها أو وقت طهرها الذي لم تمس فيه، وهذا هو الطلاق السني؛ لإنكار العرب بفطرهم السوية طلاق الزوجة في حيضها، واعتبروا ذلك مخالفًا للمروءة التي كانوا يفتخرون بها؛ لما في ذلك من إيذاء مشاعر المرأة بعدم إعذارها في أيام حيضها المكتوب عليها، كما أن طلاقها في الطهر بعد المساس يطيل عدتها بما يضرها لو كانت تريد الخلاص، فضلًا - كما يقول الفقهاء قديمًا - عن أن الطلاق في الطهر بعد المساس يلبس على المطلقة عدتها بالإقراء أو بوضع الحمل، كما أنه يخشى منه ندم الزوج إن ظهر الحمل على مطلقته. ويدل على هذا الأصل عموم قوله تعالى: "إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن" (الطلاق:1)، وقد فسر ابن مسعود وابن عباس ذلك بأن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه. وأخرج مسلم عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا". وأخرجه الشيخان عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء".

ويترتب على ذلك أنه إذا طلق الزوج في حال حيض زوجته أو نفاسها، أو في حال طهرها الذي مسها فيه فإن هذا الطلاق يوصف بأنه طلاق بدعي بالإجماع في الجملة إذا كانت الزوجة مدخولًا بها. ويستثني من ذلك عند الحنفية أحوال الطلاق في الحيض بطلب الزوجة كالخلع، أو وقوعه عن طريق القاضي بأحد أسبابه؛ للحاجة في ذلك. ويرى بعض الشافعية أن هذه الاستثناءات قسم ثالث من الطلاق لا يوصف بأنه سني أو بدعي. ويرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية دخول هذه الاستثناءات في الطلاق السني. أما إذا كان طلاق الزوجة بغير طلبها وفي حال حيضها قبل الدخول بها فقد اختلف الفقهاء في وصف هذا الطلاق بالبدعي على مذهبين:

المذهب الأول: يرى أن الطلاق قبل الدخول حال الحيض طلاق سني. وهو مذهب جمهور الفقهاء قال به الحنفية وأحد القولين عند المالكية اختاره ابن القاسم، وهو مذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية. وحجتهم: عدم الإضرار بالزوجة إذا طلقت قبل الدخول في حال حيضها؛ لعدم التزامها بالعدة كما قال سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحًا جميلًا" (الأحزاب:49).

المذهب الثاني: يرى أن الطلاق قبل الدخول حال الحيض طلاق بدعي. وهو القول الثاني عند المالكية اختاره أشهب. وحجتهم: عموم ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجع زوجته التي طلقها في حيضها حتى تطهر.

 

الفرع الثاني

الأثر المترتب على وصف الطلاق بالبدعي عند الفقهاء

أجمع الفقهاء في الجملة على ثبوت حكم التحريم ديانة إذا وقع الطلاق بوصف البدعة، واستثنى المالكية صورة الطلاق في الطهر بعد المساس فمع وصفهم لها بالبدعة إلا أنهم قالوا بكراهتها وعدم تحريمها كسائر صور طلاق البدعة؛ لأن ضررها أخف ويقتصر على إطالة زمن العدة، وربما كانت تلك الإطالة في صالح الزوجة برجعتها.

واختلف الفقهاء في حكم وقوع طلاق البدعة ووجوب العدة بعده للمدخول بها، على مذهبين في الجملة.

المذهب الأول: يرى أن الطلاق البدعي يقع صحيحًا مع الإثم. وهو قول أكثر أهل العلم، وعليه العمل في المذاهب الأربعة المشهورة في الجملة؛ لحديث ابن عمر في الصحيحين الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجع زوجته التي طلقها وهي حائض. قالوا: والمراجعة لا تكون إلا من طلاق؛ خاصة وأن ابن عمر قال: حسبت علي بتطليقة. ثم اختلف هؤلاء الجمهور في حكم هذا المطلق بصفة البدعة، هل يجب عليه مراجعتها - لتصحيح خطئه - أم يستحب؟ على قولين:

القول الأول: يرى وجوب رد المطلقة على البدعة إن كانت طلقة أولى أو ثانية. وهو الأصح عند الحنفية؛ لأن هذا الطلاق يحرم بالإجماع، ويمكنه رفع الإثم بالرجعة، فكانت واجبة كالكفارة؛ خاصة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: "مره فليراجعها". أما الطلقة الثالثة فلا يملك رجعتها؛ لأنها بانت منه.

وبهذا أخذ الإمام مالك في صورة طلاق البدعة حال الحيض. أما طلاق البدعة في الطهر الذي مسها فيه فيستحب رجعتها ولا يجب؛ لأنه لا يرى تلك الصورة من صور طلاق البدعة خلافًا للجمهور.

القول الثاني: يرى استحباب رد المطلقة على البدعة ولا يجب. وهو قول باقي الجمهور أصحاب المذهب الأول.

المذهب الثاني: يرى أن طلاق البدعة لا يقع، فهو لغو. وهو قول ابن حزم الظاهري وأخذ به ابن تيمية (ت728هـ)، وابن قيم الجوزية (ت751)، وهو مذهب الإمامية في الجملة؛ لأن الله تعالى حرمه، والحرام لا يثمر. فقد أخرج ابن ماجه والدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحرم الحرام الحلال". وأخرج الدارقطني والطبراني بسند فيه مقال عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يتبع المرأة حرامًا أينكح أمها، أو يتبع الأم حرامًا أينكح ابنتها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يحرم الحرام الحلال. إنما يحرم ما كان بنكاح حلال".

 

 

الفصل الرابع

مدى مشروعية إضافة قيد التوثيق الرسمي لصحة الطلاق

واختيار المصريين لحكم الطلاق الشفوي، والمقترح إلى المشرع المصري

أولًا: مدى مشروعية إضافة شرط التوثيق الرسمي لصحة الطلاق

كان الزواج والطلاق يتمان بالعبارة الشفوية وفقًا لحضارة الناس ومروءتهم في الالتزام بكلمتهم وعدم التنكر لواجباتهم المتعلقة بالزواج والطلاق إلى أن عرفت الحضارة الإنسانية نظام التوثيق الرسمي الذي يقيد الواقعة في سجلات الدولة كطرف ثالث ضامن للمتعاقدين حقوقهما المتبادلة حتى لا ينفرد أحدهما باتخاذ ما يخالف الالتزام التبادلي دون الرجوع إلى الدولة كطرف أساس ضامن لإثبات آثار العقود ذات القيمة مثل بيع العقارات والسيارات بما لا يقبل العكس إلا بحضور ممثل الدولة.

وفي أوائل القرن العشرين الميلادي ظهرت أصوات وطنية مصرية تنادي بشمول نظام التوثيق الرسمي لعقدي الزواج والطلاق؛ لأهميتهما وعدم انتقاص خطرهما المجتمعي عن خطر بيع العقارات والسيارات المشمول بخدمة التوثيق الرسمي، فالحكم بالزواج أو بالطلاق يؤثر في أحكام النسب، والميراث، والنفقة، وزواج المرأة بآخر، وزواج الرجل من أخت زوجته، وغير ذلك من مسائل مالية واجتماعية وتعبدية دينية.

وقد ترتب على ذلك صدور المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 931م والمعدل بالقانون رقم (1) لسنة 2000م بشأن إجراءات التقاضي في الأحوال الشخصية، والذي ينص في مادته (99/4) قديم، أو مادته (17) جديد على أنه: "لا تقبل عند الإنكار الدعاوى الناشئة عن عقد الزواج في الوقائع اللاحقة على أول أغسطس سنة 1931م ما لم يكن الزواج ثابتًا بوثيقة رسمية". وتضيف المادة (17) جديد أنه: "ومع ذلك تقبل دعوى التطليق أو الفسخ بحسب الأحوال دون غيرهما إذا كان الزواج ثابتًا بأية كتابة". وكان قد صدر القانون رقم (100) لسنة 1985م المعدل للقانون رقم (25) لسنة 1929م بشأن بعض أحكام الأحوال الشخصية، والذي ينص في مادته الخامسة (مكرر) أنه: "على المطلق أن يوثق إشهاد طلاقه لدى الموثق المختص خلال ثلاثين يومًا من إيقاع الطلاق. وتعتبر الزوجة عالمة بالطلاق بحضورها توثيقه، فإذا لم تحضره كان على الموثق إعلان إيقاع الطلاق لشخصها على يد محضر.. وتترتب آثار الطلاق من تاريخ إيقاعه إلا إذا أخفاه الزوج عن الزوجة فلا تترتب آثاره من حيث الميراث والحقوق المالية الأخرى إلا من تاريخ علمها به".

ويمكن القول بأنه اعتبارًا من أول أغسطس سنة 1931م عرف المصريون نوعين من الزواج ونوعين من الطلاق، وهما الشفوي والرسمي فيهما. ولا إشكالية في الطلاق الرسمي إذا وقع على المتزوجة رسميًا أو عرفيًا، كما أنه لا إشكالية عند من يقر بالزواج العرفي أن يقع الطلاق فيه عرفيًا أو رسميًا. وإنما الإشكالية في الطلاق الشفوي إذا كان لزوجة متزوجة رسميًا، هل يحتسب طلاقًا، أم لا يحتسب إلا إذا وقع بصفة الرسمية كصفة زواجها؟ ثلاثة اتجاهات للفقهاء المعاصرين:

الاتجاه الأول: يرى صحة وقوع الطلاق شفويًا للمتزوجة رسميًا مطلقًا، ولو بدون أي شهود. وهو الاتجاه الشائع، وما انتهت إليه دار الإفتاء المصرية ومجمع البحوث الإسلامية، وأخذت به محكمة النقض المصرية سنة 1982م، والمحكمة الدستورية العليا سنة 2006م. وحجتهم: (1) أن الألفاظ وضعت للاستدلال على موضوعها، ومن ذلك لفظ الطلاق الذي يدل على حل رباط الزوجية، وقد قال تعالى: "أوفوا بالعقود" (المائدة:1). (2)أن تعليق صحة وقوع الطلاق على التوثيق المدني أو على شهادة الشهود فيه إهدار لعبارة الزوج التي احتسبها الشرع في عموم قوله تعالى: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (البقرة:229)، وقوله سبحانه: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا" (البقرة:230). فهكذا كانت نسبة الزواج والطلاق للزوجين من غير تعليق على توثيق. (3)أن الأمر بالإشهاد في قوله تعالى: "وأشهدوا ذوى عدل منكم" (الطلاق:2) جاء على سبيل الندب أو الاستحباب كما هو مذهب الأئمة الأربعة المشهورين؛ لأن الإنسان لا يحتاج إلى بينة عند استعمال حقه. كما أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ما يدل على أن الإشهاد على الطلاق شرط لصحته. ويحتمل أن هذا الأمر بالإشهاد قد جاء للرجعة؛ لأنها الأقرب ذكرًا. وهذا الإشهاد في الرجعة وجوبي عند بعض المالكية والقديم عند الشافعية ورواية عند الحنابلة، واستحبابي عند جمهور الفقهاء.

الاتجاه الثاني: يرى تعليق صحة وقوع الطلاق الشفوي مطلقًا على حضور شاهدين عدلين ساعة صدوره. وهو اختيار الشيخ أحمد محمد شاكر (ت1958م) الذي سجله في كتابه "نظام الطلاق في الإسلام"، مكتبة السنة بالقاهرة، الطبعة الثانية 1998م. وهو في الأصل مذهب الشافعية في القديم والظاهرية والإمامية، وروي عن علي بن أبي طالب وعمران بن حصين وعطاء بن أبي رباح وابن سيرين وابن جريج، وغيرهم. وحجتهم: عموم الأمر بالإشهاد على الطلاق في قوله تعالى: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا. فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله" (الطلاق:1-2).

الاتجاه الثالث: يرى عدم احتساب الطلاق الشفوي للمتزوجة رسميًا مطلقًا، فليس لهذه المتزوجة بصفة الرسمية إلا الطلاق الرسمي. وهو اتجاه المشرع لقانون الأحوال الشخصية رقم (100) لسنة 1985م؛ فقد نصت مادته الخامسة "مكرر" على أنه: "على المطلق أن يوثق إشهاد طلاقه لدى الموثق المختص خلال ثلاثين يومًا من إيقاع الطلاق". وقد كان كثير من الفقهاء المعاصرين ينادي بذلك، ومنهم الشيخ علي عبد الرازق (ت1996م)، والشيخ علي الخفيف (ت1978م)، والشيخ أحمد نصر الدين الغندور (ت2004م)، والدكتور أحمد عبد الرحيم السايح (ت2011م)، وهو اتجاه الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق (ت1996م) والذي كان قد تولى مشيخة الأزهر سنة 1982م حتى سنة وفاته.

RE-understanding.blogspot.comجاء في الموقع الالكتروني:

مانصه: "أكد الشيخ سيد العراقي المدير العام السابق لإدارة البحوث والتأليف والنشر بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، أن قضية الإشهاد على الطلاق وتوثيقه كان أول من أثارها الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق، لكن اقتراحه قوبل باعتراض شديد من العلماء خاصة من الشيخ محمد خاطر مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت (ت2004م، وكان قد تولى الإفتاء سنة 1970-1978م)، رغم أن الشيخ جاد الحق - رحمه الله - عرض الاقتراح بطريقة جيدة، وقال: إن بعض الناس يحلفون بالطلاق بصورة روتينية في كل كبيرة وصغيرة، وإذا قلنا بوقوع مثل هذا الطلاق فإننا سوف نطلق الكثير من السيدات ويتم تفكيك آلاف الأسر وتشريد الأبناء، وربما لا يكون الأزواج يقصدون إيقاع الطلاق، وإنما يريدون الحلف فقط لتأكيد كلامهم ونحو ذلك.

وأضاف الشيخ العراقي أن شيخ الأزهر السابق (الشيخ جاد الحق) طلب أن يكون الطلاق مثل الزواج لا يتم إلا بحضور شاهدين وبوثيقة رسمية. واستند في كلامه إلى الكثير من الأدلة الشرعية. وأوضح أن ذهاب الزوجين إلى المأذون لايقاع الطلاق وإحضار الشهود يؤكد رغبتهما الحقيقية في ايقاع الطلاق. أما أن يحلف الزوج بالطلاق في بيع أو شراء، أو مشاجرة أو جدال فهذا ينبغي ألا نلتفت إليه. لكن إذا رغب الزوجان في إيقاع الطلاق فعليهما الذهاب إلى المأذون، ولو قررا التراجع عن الطلاق قبل الوصول إلى المأذون فلهما الحق في ذلك.

وأشار الشيخ العراقي إلى أن علماء مجمع البحوث الإسلامية رفضوا اقتراح الشيخ جاد الحق وتمسكوا برأيهم، وقالوا إن هذا الكلام يخالف الحرية الشخصية للمرأة والرجل، ويخالف الاجتهاد. وتم حذف  هذا الاقتراح من مضبطة المجمع، مؤكدًا أن هذه القضية تحتاج إلى جرأة وشجاعة من العلماء لتنفيذ هذا الاقتراح، وكذلك إقناع العلماء الذين يرون أن قصر وقوع الطلاق على الإشهاد والتوثيق على يد المأذون فيه حجر على حرية الإنسان خاصة المرأة".

ويدل لهذا الاتجاه الرافض لوقوع الطلاق الشفوي للمتزوجة رسميًا ما يلي:

(1) العمل بمذهب من يبطل الطلاق إلا بحضور شاهدي عدل ساعة وقوعه، وهو القديم عند الشافعية ومذهب الظاهرية والإمامية، وقول علي بن أبي طالب وعمران بن حصين وعطاء وابن جريج وابن سيرين، وغيرهم. (2) العمل بعموم الأدلة الآمرة بالوفاء بالشروط والعهود؛ خاصة ما يتعلق منها بالزواج والطلاق. ومن ذلك قوله تعالى: "أوفوا بالعقود" (المائدة:1)، وقوله تعالى: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولًا" (الإسراء:34)، وما أخرجه البخاري تعليقًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلمون عند شروطهم". وأخرجه الدارقطني عن عوف المزني مرفوعًا بزيادة: "إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا". وما أخرجه البخاري عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحق ما أوفيتم من الشروط ما استحللتم به الفروج". قالوا: إن المتزوجة رسميًا كأنها أخذت عهدًا من زوجها بحكم القانون الذي اختاره في إبرام زواجه منها أنه لن يكون لها طلاق إلا رسميًا، فوجب الالتزام بهذا العهد. (3) أن تعليق صحة الطلاق على التوثيق للمتزوجة رسميًا إن لم يتخرج على الشرط في العقد فيمكن أن يتخرج على الشرط من ولي الأمر بماله من حق تقييد المباح للمصلحة العامة. (4) أن تعليق صحة الطلاق على التوثيق الرسمي يرجع إلى ضرورة الامتثال لأمر القرآن الكريم في إيقاع الطلاق على الوجه المشروع في احتساب العدة، كما قال تعالى: "إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن" (الطلاق:1)، وقوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" (البقرة:228). والمعروف أن المتزوجة رسميًا لا تبدأ عدتها إلا بعد إثبات طلاقها بوثيقة رسمية، مع أن الله تعالى قد أمر المطلقة أن تبدأ بالتربص فورًا، مما يمنع إيقاع الطلاق بالضرورة حتى تصدر الوثيقة الرسمية وإلا لم يكن المجتمع ممتثلًا للأمر باحتساب أول العدة بمجرد القول بإيقاع الطلاق. ثم إن المتزوجة بصفة الرسمية إذا طلقت قبل الدخول فليس عليها عدة؛ بل يحق لها أن تتزوج بآخر فورًا، كما قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحًا جميلًا" (الأحزاب:49). والمعروف أنها لن تستطيع مجتمعيًا أن تتزوج قبل حصولها على وثيقة طلاقها الرسمية، مما يدل على أن قيد الرسمية المجتمعي له أثر شرعي، وهو ليس قيدًا على حرية الزوجين بل جاء على وفق إرادتهما، فهما اللذان قد اختارا إبرام زواجهما بصفة الرسمية، ويعلمان أنه لا حل لرباط الزوجية الرسمي إلا بصفة الرسمية، فكأنهما يعمدان إلى ذلك صيانة للعصمة من التفريط فيها. (5) أن تعريف الطلاق عند الفقهاء هو حل رباط الزوجية بلفظ الطلاق ونحوه، فليس لفظ الطلاق هو الطلاق وإنما أداته، فإذا وضع معه التوثيق الرسمي لم يتم إلا به. كمن كان يغلق باب داره بقفل واحد، ثم أضاف إليه قفلًا آخر، فإنه لن يتمكن من فتح بابه إلا بعد فتح هذين القفلين، مع أنه كان قبل وضع القفل الثاني كان يفتح بابه بفتح قفل واحد الذي كان يضعه. كذلك الطلاق كان يتم باللفظ قبل توثيق الزواج أما بعد توثيق الزواج بصفة الرسمية فإن حله لن يكون إلا كذلك. (6) أن تعليق صحة الطلاق على التوثيق للمتزوجة رسميًا يغني الفقهاء المعاصرين من ممارسة التلفيق في الفتوى عن طريق التقاط فتاوى ابن حزم الظاهري (ت456هـ)، والإمامية بعدم وقوع الطلاق الصريح بغير نية، وقول ابن حزم، وابن تيمية (ت728هـ) وابن القيم (ت751هـ) بعدم وقوع الطلاق البدعي وهو الطلاق في زمن حيض الزوجة أو في طهر مسها زوجها فيه. وقول ابن تيمية بعدم احتساب الطلاق المعلق، وإنما يعده يمينًا إذا دلت الأحوال على إرادة اليمين. وقول الشافعية في القديم والظاهرية والإمامية وما روي عن علي وعمران بن حصين وعطاء وابن جريج وابن سيرين بعدم وقوع الطلاق الذي لم يحضره شاهدان ذوا عدل. وقول ابن تيمية وابن القيم بعدم وقوع الطلاق في حال الغضب المغير لحال الزوج بحيث إذا لم يكن كذلك ما أقدم على الطلاق؛ لما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق". (7) أن تعليق صحة الطلاق للمتزوجة رسميًا على التوثيق فيه إنقاذ للأسر من التفكك، وإنقاذ للزوجات من ظاهرة نكاح المحلل المقيتة؛ فقد أخرج ابن ماجه وأبو داود عن ابن عباس وعن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله المحلل والمحلل له"، وأخرج ابن ماجه بإسناد حسن عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بالتيس المستعار"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: "هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له". ومن المعروف أن الطلاق مشروع لاستنقاذ الزوجين من استحالة العشرة بينهما حتى يغني الله كلاً من سعته كما قال تعالى: "وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته وكان الله واسعًا حكيمًا" (النساء:130). وأما مع أمل بقاء الزوجية فإن الطلاق يكون بغيضًا عند الله تعالى؛ لما فيه من عدم الوفاء والتنكر للمعروف والتسرع في الهجر وتقطيع الأرحام؛ فقد أخرج ابن ماجه وأبو داود بسند ضعيف، عن محارب بن دثار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". (قال المنذري: والمشهور أنه حديث مرسل عن محارب بن دثار عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر فيه ابن عمر). وهذا يجعلنا نحتاط في وقوع الطلاق ونتوسع في تقييداته، ومن هذه القيود التوثيق بصفة الرسمية على غرار صفة الزواج.

ويحق لكل مسلم ومسلمة أن يأخذ بهذا الاتجاه الثالث الذي لا يرى الطلاق للمتزوجة رسميًا إلا موثقًا بصفة الرسمية؛ لقيامه على أدلة شرعية معتبرة. واختيار الناس للقول الفقهي هو الذي يشيعه ويعممه دون حاجة إلى وصاية دينية.

ثانيًا: اختيار المصريين لحكم الطلاق الشفوي

حسم المصريون أمرهم في عدم الاكتراث بالطلاق الشفوي للمتزوجين بصفة التوثيق الرسمي، واحتسبوه مشروع طلاق وليس طلاقًا حقيقة؛ لثلاثة أمور، كما يلي:

الأمر الأول: أن صفة التوثيق الرسمي في الزواج والطلاق معتبرة في القضاء، والقول بصحة العقد الشفوي في الزواج والطلاق معتبر في الفقه، وإذا تعارض الفقه مع القضاء فالعبرة بالقضاء؛ عملًا بالقاعدة الفقهية "حكم الحاكم يرفع الخلاف الفقهي" والتي يدل عليها عموم قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" (النساء:59). فإذا ثبت اصطلاح القضاء في تعريف الزواج والطلاق فلا وجه لمعارضته باصطلاح الفقه لهما؛ لأن اصطلاح القضاء أخص مع قيامه على الإلزام، بخلاف اصطلاح الفقه فإنه أعم مع قيامه على الاختيار. ويشبه ذلك تعارض التعريف اللغوي مع التعريف الاصطلاحي الفقهي، فإننا نقدم التعريف الاصطلاحي على التعريف اللغوي؛ للمعنى المذكور من الخصوصية والالتزام.

الأمر الثاني: أن صفة التوثيق الرسمي تحقق مقصود الزواج والطلاق من الصيانة وحفظ الحقوق، وهو شرط اختياري وقع من الزوجين عن تراض منهما، والله تعالى يقول: "أوفوا بالعقود" (المائدة:1)، وفي الحديث الذي أخرجه البخاري تعليقًا: "المسلمون عند شروطهم". أما حديث عائشة في "صحيح مسلم" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما كان من شرط ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل وإن كان مائة شرط" فقد ورد بشأن الشروط التي تخالف مقصود العقد ومقتضاه؛ حيث كانت السيدة عائشة تريد شراء "بريرة" من أجل إعتاقها فاشترط أصحابها أن يكون الولاء لهم، كما ورد في الصحيحين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، كما في رواية "البخاري": " ابتاعيها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق." ثم قام على المنبر فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله.من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة شرط". أما شرط توثيق الزواج والطلاق فهو شرط يتفق مع مقصودهما، فضلًا عن كونه شرطًا صادرًا عن تراضي الطرفين وليس عنوة بما يخالف منطق العقد كما في قصة "بريرة"، فلو ارتضت السيدة عائشة صاحبة الثمن أن يكون الولاء لأهل "بريرة" ما كان في ذلك بأس. إذن المشكلة كانت في رفض السيدة عائشة أن تتنازل عن حقها الذي يرتبه منطق العقد، وليست المشكلة في مجرد إضافة شرط قد يتفق عليه الطرفان.

الأمر الثالث: أن العقود والتصرفات لا تصح ولا تعتبر إلا إذا استوفت حكمها الشرعي الوضعي من السببية والشرطية وانعدام المانعية. وتوثيق الطلاق صار بحكم العرف والقانون والقضاء شرطًا لوجوده واعتباره، فكان انعدامه مانعًا من صحته أواحتسابه.  

ولكل ذلك لم يعبأ المصريون بفتاوى أوصياء الدين الذين يشككونهم في قناعتهم أن توثيق الزواج بمثابة رهنية عصمته عند الدولة، فمهما تلفظ الزوج من ألفاظ الطلاق فهو يعلم أن زوجته الموثق زواجها لا تزال في عصمته ولا تملك الزواج من غيره حتى يفك عصمتها رسميًا، ولا تبدأ هذه المرأة عدة طلاقها إلا من تاريخ توثيقه، فقد صار التوثيق الرسمي جزءًا من حقيقة الزواج والطلاق، كما أن هذا التوثيق وما يشبهه - كحكم صحة ونفاذ العقد - جزء من حقيقة البيع والشراء للعقارات والسيارات.

وهذه القناعة المصرية هي التي تدفع الأزواج لملاحقة الزوجة الموثق عقد زواجها قضائيًا إذا غامرت بفتاوى المتجمدين عند زمن ما قبل الأول من أغسطس سنة 1931م القائلين بوقوع الطلاق الشفوي فانساقت وراء تلك الفتوى إذا طلقت شفويًا قبل الدخول، أو طلقت شفويًا بعد الدخول ولم يراجعها زوجها حتى انتهت عدتها بوضع الحمل أو بالأقراء أو بالأشهر فتزوجت بآخر قبل حصولها على وثيقة الطلاق الرسمية وتربصها مدة العدة الشرعية من تاريخ طلاقها الرسمي، وذلك بتقديمها إلى العدالة القضائية بتهمة الجمع بين زوجين، وهذا أكبر دليل على قناعة المصريين بأن الطلاق الشفوي للمتزوجين بالوثائق الرسمية لغو ولا أثر له حتى يتم توثيقه رسميًا، وأن الزوج صاحب العصمة هو صاحب الحق في إتمام طلاقه بالتوثيق أو العدول عنه لتبقى زوجته في عصمته بدون غضاضة شرعية.

وقد شاع ما يعرف عند المصريين برد يمين الطلاق، وفيه يتوجه الزوج إلى أحد رجال العلم بالدين ليلقنه صيغة التوبة والاستغفار من تلفظه بالطلاق الشفوي الذي آذى به زوجته ولم يرد به طلاقًا، وكأنه يتوب من ذنب إيذاء الزوجة أو الإضرار المعنوي بها وليس للرجوع عن لفظ الطلاق الشفوي الذي يعلم عدم تأثيره في العلاقة الزوجية الموثقة.

وأدرك المصريون في الآونة الأخيرة تراجع أوصياء الدين عن تشددهم في فتاوى وقوع الطلاق الشفوي عندما تركوا مذهب الجمهور في فتاوى الطلاق وتوسعوا في الأخذ بفتاوى بعض الفقهاء التي كانوا يصفونها بالشاذة أو بالضعيفة لإبطال الطلاق الشفوي ليس لكونه شفويًا وإنما لوقوعه مخالفًا لضوابط فقهية اجتهادية، ومن ذلك ما يلي:

(1)عدم احتساب الطلاق الشفوي إذا وقع بالكتابة للقادر على النطق، كمن يكتب رسالة بطلاق زوجته دون التلفظ به. وهو أحد القولين عند الشافعية ومذهب الظاهرية.

(2) عدم احتساب الطلاق الشفوي إذا كان مضافًا إلى أجل، كما لو قال إن زوجته تكون طالقًا من أول الشهر القادم، وهو مذهب الظاهرية.

(3)عدم احتساب الطلاق الشفوي إذا كان معلقًا على أمر كالحلف، كما لو قال لزوجته إن خرجت من الدار فأنت طالق. وهو مذهب الظاهرية والإمامية. أو احتساب هذا الطلاق المعلق يمينًا يوجب كفارة عند الحنث فيه ولا يكون طلاقًا، وهو انفراد ابن تيمية (ت728هـ).

(4)عدم احتساب الطلاق الشفوي إذا لم يستحضر نية الطلاق حقيقة عند التلفظ به، فلا طلاق بنية التهديد. وهو مذهب الظاهرية والإمامية.

(5) عدم احتساب الطلاق الشفوي إذا وقع من وكيل الزوج أو من زوجته المفوضة به. وهو مذهب الظاهرية وأحد القولين عند الإمامية.

(6) عدم احتساب الطلاق الشفوي إذا وقع بغير شاهدي عدل. وهو مذهب الظاهرية والإمامية وروي عن علي وعمران بن حصين وعطاء وابن جريج وابن سيرين.

(7)عدم احتساب الطلاق الشفوي في حال غضب الزوج الذي لولاه لما أقدم الزوج على هذا الطلاق. وهو قول ابن تيمية وابن القيم والمتأخرين من الحنفية.

(8) عدم احتساب الطلاق الشفوي في حال الإكراه، كالزوجة التي تهدد بقتل نفسها إذا لم يصدر الزوج لفظ طلاقها. وهو مذهب الجمهور خلافًا للحنفية.

(9) عدم احتساب الطلاق الشفوي في حال السكر المتعمد أو الآثار الانسحابية للمخدرات. وهو قول عند الحنفية والشافعية والحنابلة ومذهب الظاهرية والإمامية.

(10) عدم احتساب الطلاق الشفوي إذا وقع بلفظ الاثنين أو الثلاث. وهو قول حكاه ابن حزم عن بعض أهل العلم، كما أنه أحد القولين عند الإمامية، وحكاه ابن تيمية عن بعض المعتزلة والشيعة. ويرى ابن عباس وعكرمة والحسن البصري واختاره ابن تيمية وابن القيم، وهو أحد القولين للإمامية ونسبه ابن رشد لأهل الظاهر أن الطلاق بلفظ الاثنين أو الثلاث يقع طلقة واحدة.

(11) عدم احتساب الطلاق الشفوي إذا وقع بصفة البدعة، كما لو وقع في حال حيض المرأة أو في طهرها بعد المساس. وهو قول الظاهرية ونصره ابن حزم وأخذ به ابن تيمية وابن القيم وهو مذهب الإمامية.

رأى المصريون أن السعي وراء الفتاوى المبعثرة في المذاهب المختلفة للحكم بعدم وقوع الطلاق الشفوي الصريح بزعم إنقاذ الأسر من التفكك نوع من الضعف الفقهي الذي يوصف أصحابه بارتعاش الفكر وعدم القدرة على اتخاذ القرار في الاستنباط وعدم التأهل للاجتهاد. لذلك فإن المصريين قد انطلقوا إلى التجديد الفقهي في الدين بما يحقق المقصود الشرعي للزواج والطلاق، فحكموا بعدم وقوع الطلاق الشفوي للمتزوجات بصفة التوثيق الرسمي إلا بمثل الطريقة التي تم بها الزواج من حضور شاهدي عدل مع صاحب الحق في الطلاق وتحريره وثيقة الطلاق الرسمية؛ اتباعًا لتعريف الطلاق في اصطلاح الفقهاء بأنه حل رباط الزوجية وليس مجرد التلفظ بالطلاق. وقد أخرج الشيخان عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". وبذلك تنتهي مشكلة الحيرة التي افتعلها أوصياء الدين بشأن عدم احتساب الطلاق الشفوي للمتزوجين بالوثائق الرسمية إلى الأبد.

ثالثًا: المقترح إلى المشرع المصري

إذا كان الشعب المصري في الجملة قد حسم أمره في عدم الاعتراف بالطلاق الشفوي للمتزوجين بالوثائق الرسمية بدلالة استكمالهم للحياة الزوجية مع إكثار الأزواج ألفاظ الطلاق الشفوية التي يندفعون إليها بسبب ضغوط الحياة بدون إرادة الطلاق الحقيقي، وقبول كثير منهم أدنى المبررات الفقهية التي تقضي بعدم احتساب لفظ الطلاق الشفوي طلاقًا شرعيًا، فإنه يجب على المشرع المصري أن يتدخل لإنقاذ بعض المصريين الذين يقعون فريسة لتغرير أوصياء الدين وإيهامهم الضعفاء بأن الطلاق الشفوي طلاق شرعي، وأن الطلاق الرسمي طلاق قانوني، وأن العبرة في الدين بالشرع لا بالقانون، مما يدفع بهؤلاء الضعفاء إلى الإستسلام لظاهرة المحلل المقيتة بعد الطلقة الشفوية الثالثة، بما يكسر كبرياء الزوجين، ويهين كرامتهما. ونرى تدخل المشرع المصري في مقترحين:

المقترح الأول: معاقبة أوصياء الدين بتهمة الفتنة والإدلاء ببيانات كاذبة، فالقانون ماهو إلا اتفاق مجتمعي له حجية شرعية كسائر العقود المبرمة بالتراضي، والفقه ما هو إلا اجتهاد بشري من وضع الفقيه الذي يقر بأنه صواب يحتمل الخطأ، وليس شرعًا معصوماً. مما يستوجب معاقبة المتاجرين بالدين الذين يشككون الناس في شرعية القوانين كشرعية الفقه بل أشد؛ لأن القانون نتاج فقه، فهو اجتهاد بعد اجتهاد بخلاف الفقه الذي هو اجتهاد مبدئي. ووصف القانون بأنه وضعي ميزة فيه وليس نقيصة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن ننسب اجتهادنا لأنفسنا، ونهانا أن ننسب اجتهادنا لله تعالى أو للإسلام، فأخرج مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي أميره بقوله: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا".

المقترح الثاني: استصدار تعديل على قانون الأحوال الشخصية المصري، ويثبت في وثائق الزواج الرسمية ليعلمه الزوجان عند إبرام عقد زواجهما، وينص فيه على أنه: "لا يعتبر طلاقًا شرعيًا للمتزوجين بوثائق رسمية إلا ما يتم بالتوثيق الرسمي".

وعلى الله قصد السبيل والحمد لله رب العالمين

 

 

 

 

 

 

 

 

فهرس الموضوعات

مقدمة الكتاب

خطة الكتاب

الفصل الأول: تعريف الطلاق الشفوي وتأصيله التاريخي

أولًا:تعريف الطلاق الشفوي

ثانيًا: التأصيل التاريخي لقضية الطلاق الشفوي

الفصل الثاني: التعريف بالطلاق وأحكامه العامة

المبحث الأول: ماهية الطلاق وأثره الشرعي بالعدة

أولًا: ماهية الطلاق أو حقيقته

ثانيًا: الأثر الشرعي للطلاق بالعدة

(1)العدة للمطلقة قبل الدخول

(2)العدة للمطلقة بعد الخلوة

(3)العدة للمطلقة بعد الدخول

(أ)العدة بالقرء

(ب)العدة بالأشهر

(ج)العدة بوضع الحمل

المبحث الثاني: أداة الطلاق أو صورته في الخارج وهي صيغته

أولًا: الطلاق بالكتابة للقادر على النطق

ثانيًا: الطلاق بالإشارة للقادر على النطق

المبحث الثالث: مقصود الطلاق والحكمة من مشروعيته

الفصل الثالث: أصول وقوع الطلاق

المبحث الأول: الطلاق بغير صيغة التنجيز (الطلاق المضاف والطلاق المعلق)

المبحث الثاني: الطلاق بغير نيته

المبحث الثالث: الطلاق بالتوكيل أو بالتفويض

المبحث الرابع: طلاق الفضولي

المبحث الخامس: الطلاق بغير الإشهاد

المبحث السادس: طلاق الغضبان

المبحث السابع: طلاق المكره

المبحث الثامن: طلاق السكران

المبحث التاسع: الطلاق بلفظ الثلاث

المبحث العاشر: الطلاق البدعي

الفرع الأول: تعريف الطلاق البدعي عند الفقهاء

الأمر الأول: العدد في الطلاق البدعي

الأمر الثاني: وقت الطلاق البدعي

الفرع الثاني: الأثر المترتب على وصف الطلاق بالبدعي عند الفقهاء

الفصل الرابع: مدى مشروعية إضافة قيد التوثيق الرسمي لصحة الطلاق، واختيار المصريين لحكم الطلاق الشفوي، والمقترح إلى المشرع المصري

أولًا: مدى مشروعية إضافة قيد التوثيق الرسمي لصحة الطلاق

الاتجاه الأول

الاتجاه الثاني

الاتجاه الثالث

ثانيًا: اختيار المصريين لحكم الطلاق الشفوي

ثالثًا: مقترح إلى المشرع المصري